قد سمع البعض منا أن دولة الإمارات تحركت قبل سنوات للسيطرة على الموانئ الموجودة على مداخل باب المندب “خليج عدن” بما فيها موانئ اليمن والصومال وموانئ عدة دول في تلك المنطقة. لكن ماذا فعلت الإمارات؟ قامت بتدمير تلك الموانئ على حساب ميناء دبي وتنشيطه، ولم تساهم في التنمية الاقتصادية الحقيقية لتلك البلدان التي استأجرت منها تلك الموانئ.

لكن في المقابل، أهملت الإمارات الموانئ السودانية لعدة أسباب؛ كعدم وجود أهمية في ذلك الوقت للموقع الجغرافي، والسبب الآخر هو العقوبات الدولية الاقتصادية المفروضة على السودان من الولايات المتحدة الأمريكية، لكن وجدت تركيا ضالتها عقب رفع العقوبات الدولية عن السودان وفي موقع شبه جزيرة سواكن على وجه الخصوص والذي تعتبره استراتيجيا لاستغلال مينائها، ولقد تم إبرام قريب من عشرين اتفاقية اقتصادية مشتركة بين البلدين (تركيا والسودان)، من بينها اتفاقيات تخص شبه جزيرة وميناء سواكن، والذي سيلعب دورا بارزا في البحر الأحمر لموقعه الاستراتيجي.

كما ذكرت بعض المصادر الإعلامية أن البلدين قد وقعا اتفاقيات للتعاون العسكري والأمني أثناء زيارة أردوغان، وهو مما يعزز الدور التركي في تلك المنطقة، على الرغم من عدم رفع العقوبات الدولية الأمنية عن السودان، إلا أنه يُعتبر وجود قاعدة عسكرية لتركيا في قطر شرق التحالف الخليجي، ووجود ميناء وربما يحتوي على قاعدة عسكرية غرب الخليج، فالسؤال من يحاصر من؟ هل الخليج يحاصر قطر أم أنّ قطر وتركيا تحاصران الخليج اقتصاديا وعسكريا.

تركيا لن تستكفي في هذا الإطار ولن تبقى مكتوفة الأيدي. ربما تسعى جاهدة لتفكيك التحالف (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) وستضرب مَن حاول دعم الانقلاب عليها ويشوه تاريخها العثماني والطعن في الخلافة العثمانية الممتدة عبر سبعة قرون، لكن هذه الضربة بلغة الاقتصاد هذه المرة وليس باللغة المعهودة (العنجهية المغروره والمنفوخه).

إذا أرادت تركيا تنشيط أحد موانئ السودان وجعله مركزا عالميا، فعليها أن تبرم اتفاقيات مع باكستان وإيران، واللتان بصدد إنشاء ميناءين تجاريين مركزيَين، يربط أحدهما بالصين والآخر يربطه بالهند

الجزيرة

لم يعهد التحالف الخليجي الحرب الاقتصادية، والتحركات الاستراتيجية للقواعد الاقتصادية، ودوما ما يفكّر التحالف الخليجي بأن الأموال التي بحوزته مانعة وعاصمة وتصنع ما تريد، ويستطيع أن يستنجد بمن يريد بأي وقت يريد بأمواله، فهل التحالف يعيد السودان إليه متى شاء بأمواله بعد أن رأى الحقائق والدسائس والمؤامرة في اليمن وربما وصل التآمر عليه، أي على السودان؟

أثرت هذه الاتفاقيات على السودان، فإنه قد يُفلت من تداعيات العقوبات الاقتصادية خلال وقت وجيز بحجة الاتفاقيات الدولية وبحجة النشاط الاستثماري الأجنبي المباشر، وحقيقةً، يعيش السودان في حالة عدم استقرار اقتصادي في ظل انخفاض الجنيه السوداني أمام الدولار والذي انخفض إلى ما يقارب 25 جنيها مقابل الدولار في السوق السوداء، وتسعى الحكومة في مطلع 2018 إلى تخفيض عملتها من 7 جنيهات إلى 18 جنيه مقابل الدولار، وهو ما يسبب في ارتفاع حدة التضخم في البلاد، فإن السودان يجد في الاتفاقية الاقتصادية مع تركيا مخرجا من الأزمة الاقتصادية الحالية.

وللسودان دوافع ذاتيه أيضا ورغبة في أن يرفع من سقف طموحاته السياسية من خلال العلاقة الاقتصادية مع تركيا، ويريد هو الآخر أن يكبّد الدول التي أيدت ودعمت انفصال الجنوب، وذلك لمسناه عند زيارة الرئيس البشير لموسكو والتقائه مع بوتن، وكيف أن السودان قد تأذّى من تلك الدول وخصوصا أنه قد فقد ثلثي مصادر الإيرادات العامة للدولة من النفط والمنتوجات الأخرى.

ولشبه جزيرة سواكن نصيب من الاتفاقيات كما ذكر المقال، وهو ما سيعقّد المشهد الدولي مستقبلا، وعلى وجه الخصوص كون هذه الاتفاقيه قد تعتبر بمثابة تهديد لأمن دول الجوار، مما يستدعي الأمر أن تبقى متيقظة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع العالم الخارجي، وللجزيرة خصوصية جغرافية كونها تقع قبالة الشواطئ السعودية، وقد تقلب الطاولة في طريقة وأسلوب التعامل الخليجي مع السودان ومع تركيا، إما أن يعتبرها التحالف الخليجي تهديدا صارخا لأمنه واقتصاده، مما يستوجب أن يحرك حليفه المصري عبر قناه السويس للضغط، أو يعتبرها مجرد ورقة ضغط تستخدم ضده، لكن هل سيمررها التحالف الخليجي دون عواقب وارتدادات، أم أنه يكتفي بالمحاولة الانقلابية التي دعمها وساندها في العام المنصرم، أم أنه سيتخذ إجراءات للحيلولة من استخدام تلك الجزيرة فقط؟

كيف يستطيع الجانبان التركي والسوداني تفعيل دور ميناء سواكن على المستوى الاستراتيجي؟ وكيف يهدد هذا الميناء دول الجوار عند تشغيله؟

وكالة الأناضول

وفي ذات السياق، هل ستتخذ تركيا من الجزيرة وسيلة لتقليم الأظافر وتحجيم التحالف الخليجي المعتدي على اليمن، متذرعة بالأصوات الغربية الرسمية وغير الرسمية المنادية برفع الحصار عن اليمن وبخروج التحالف من اليمن، مما يساعدها على تعزيز وجودها في تلك المنطقة عبر صفقات واتفاقيات اقتصادية وأمنية على حساب التحالف؟

في المقابل، كيف يستطيع الجانبان التركي والسوداني تفعيل دور ميناء سواكن على المستوى الاستراتيجي؟ وكيف يهدد هذا الميناء دول الجوار عند تشغيله؟ ننظر في السناريو الذي لا يَعتبر الاتفاق مجرد تهديد وقلق فقط، بل يتعدى الأمر إلى مسألة وجود أو لا وجود، أو مسألة تأثير أو تهميش، على الأقل فيما يخص ميناء دبي العالمي. إذا أرادت تركيا فعلا تنشيط ميناء سواكن وجعله مركزا عالميا، فعليها أن تبرم اتفاقيات مع باكستان وإيران، واللتان بصدد إنشاء ميناءين تجاريين مركزيَين، يربط أحدهما بالصين والآخر يربطه بالهند. ولا يجمع بضائعهما إلا ميناء سواكن، بحيث يتم إنشاء حزام تجاري من داخل السودان إلى الشمال الإفريقي والذي سيعبر من الطريق (حزام، طريق، حزام) أو (الطريق الهجينة) الذي يصل إلى غرب أوروبا بفترة أقصر من الفترة التي سيقطعها الخط التجاري الحالي، وهو ما يؤثر على ميناء دبي والذي يشكل عصبا اقتصاديا رئيسيا للإمارات. (الحزام هو الطريق البري، والطريق هو الملاحة البحرية).

وبهذا أيضا تقلل تركيا من أهمية قناة السويس؛ بتفعيل دور دول المغرب العربي اقتصاديا (استيرادا وتصديرا) وبإيجاد منافذ تجارية إلى أوروبا الغربية، وأيضا تساهم تركيا في إيجاد منافذ إلى القارة السوداء عبر دول المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب) مما يعزز من صادراتها ومستورداتها بدلا من حصر منافذها في منفذ واحد، وذلك بإقامة حزام تجاري موازٍ لحزام السودان يعبر القارة، حيث ذكرت المصادر الإعلامية أن هناك شراكة استراتيجية بين البلدين، وأنشأ الجانبان مجلسا للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، لكن لم تذكر المصادر طبيعة تلك الشراكة والرؤية المستقبلية للسودان وتركيا في الجزيرة.

وبقي السؤال: ما هو الفعل الذي صدر عن التحالف الخليجي الذي استوجب على السودان ردة الفعل هذه، وهذه النقلة النوعية من أحضان السعودية، وإلى انخفاض الشراكة الفعلية في عاصفة الحزم وربما يصل إلى الإنسحاب؟ هل وجدت السودان مخططا انقلابيا عليها ما استوجب أن تجد فرصة حقيقية للاستقواء بتركيا، والتلويح بها من أمام شواطئ جدة؟ أم أنها المصالح المتقاطعة والمشتركة؟

الجزيرة



مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين