سودافاكس :
يزور الخرطوم هذه الأيام زعيم إسلامي وسياسي بارز، فرئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، شخصية أثارت جدلا واسعا في العالم منذ ظهورها على الساحة السياسية التركية في أوائل القرن الـ21، ويعتبره مؤيدوه منقذا للإسلاميين ومفجرا للنهضة التركية الحديثة ومعشوقا للشعب.
وينتمي أردوغان إلى أسرة متوسطة الحال ترجع أصولها إلى منطقة (ريزا) على ساحل البحر الأسود.
كان والده الحاج أحمد يعمل قبطانا، انتقل مع زوجته إلى (استانبول)؛ بحثا عن سعة أكبر في الرزق.
واستقر المقام بالحاج أحمد في حي (قاسم باشا)؛ حيث كان مولد أردوغان في السادس والعشرين من شهر فبراير عام 1954م، حيث قضى أغلب فترات طفولته.
وكان لهذا الحي تأثير كبير في شخصية أردوغان فيما بعد.
وحول ذلك يقول أردوغان: “عندما أتأمل سكان حي قاسم باشا في تلك الفترة كنت ألاحظ أنهم أصحاب مواقف ورجولة، لم يكونوا من الذين يقولون القول ثم يتراجعون عنه أو يغيرونه فيما بعد”.
تلقى أردوغان تعليمه الابتدائي في مدرسة حيه الشعبي مع أبناء حارته، وظهرت على هذا الطفل ملامح التدين منذ نعومة أظفاره.
وخلال هذه الفترة ظهرت على أردوغان صفات أخرى؛ فإضافة إلى حبه للشعر والمناظرات ومسابقات المعلومات، ظهرت عليه صفات: تحمل المسؤولية والاعتماد على النفس، كما يقول – عمر أوزباي، وهو مؤلف مشارك في كتاب (أردوغان.. ميلاد زعيم)- مشيرا إلى أن (الصبي كان يخرج من مدرسته كلما توفر لديه وقت فراغ؛ وذلك من أجل بيع البطيخ وكيك السمسم والماء ليشتري الكتب بالنقود التي اكتسبها، ويرفع عن كاهل أسرته مصاريف إعالته).
كما أحب أردوغان منذ صباه كرة القدم، وكبرت معه هذه الهواية من أزقة وشوارع حي (قاسم باشا) إلى ملاعب المحترفين، وسيدرك أردوغان بعد سنوات طويلة أن كرة القدم لم تكن مجرد هواية بالنسبة له، وأنها تركت في حياته السياسية أثرا سيلمسه بعد حين.
وحول ذلك يقول أردوغان: (كنت ألعب كرة القدم بشكل هاوٍ ولحين اختياري في منتخب شباب استانبول، ثم انتقلت بعد ذلك إلى فريق بلدية استانبول، وبفضل ذلك صرت موظفا في البلدية واستطعت الزواج وإعالة أسرتي).
ومن ملاعب كرة القدم انتقل إلى دهاليز السياسة.. ففي المرحلة الثانوية انتقل أردوغان إلى مدرسة أيوب، التي شهدت بدايات اهتماماته بقضايا الوطن التركي؛ وذلك على خلفية إسلامية تكوَّنت معالمها من دراسته للعلوم الشرعية؛ حيث انضم إلى (الاتحاد الوطني للطلبة)، وهناك تمتع بشخصية سياسية قيادية ازدادت صقلا وقوة بفضل الأجواء الثقافية الموجودة في الاتحاد.
وحول الشخصيات التي أثرت في شخصيته وفكره في تلك الفترة.. يشير أردوغان إلى طيف واسع من المفكرين والشعراء من أمثال: شاعر نشيد الاستقلال محمد عاكف آرصوي، والشاعر نجيب فاضل قيصه كورهك، والمفكر نور الدين طوبجي.
وحول علاقة أردوغان بأربكان يقول أوزباي: (بالنسبة لأردوغان.. كان أربكان هو المعلم، وكان دائما ما يخاطبه بصيغة: (يا أستاذي).
أما أردوغان فيصف هذه العلاقة بالقول: (أثناء دخولي المعترك السياسي كان أربكان نموذجا يحتذى به في حماسه وتأثيره وحبه لقضيته. وأثناء عمله السياسي في الأحزاب التي انضم إليها.. تميَّز أردوغان بشخصية قوية ومؤثِّرة جعلته متفرِّدًا بين أقرانه، بجانب حرصه الدائم على التطرُّق للمشاكل الحياتية التي يُعاني منها أبناء الشعب التركي، لا سيما وأن أردوغان نفسه اضطرته الظروف المعيشية إلى العمل في بعض الأعمال والمهن البسيطة وهو لا يزال في مقتبل حياته.
في 27 مارس 1994م.. عرف أردوغان تحولا هاما في حياته عندما عين عن حزب الرفاه رئيسا لبلدية أهم مدينة في تركيا (مدينة استانبول)، وهو لا يزال في الأربعين من عمره.
لقد أيقظ أردوغان – من خلال إدارته العبقرية للموارد البشرية والشؤون المالية – المشاعر الإيجابية لدى أبناء استانبول، وأعاد لهم الثقة بأنفسهم وبقدرتهم على النهوض بمدينتهم.
وفي عام 1998م.. أجهزت المحكمة الدستورية على حزب الرفاه، لكن أربكان أبى أن يستسلم.. وعاد إلى الواجهة من جديد عبر (حزب الفضيلة) برئاسة رفيقه رجائي طوطان، فيما تولى إدارة الحزب من خلف الكواليس.
في تلك الأثناء.. كان أردوغان لا يزال رئيسا لبلدية (استانبول)، وإنجازاته الكبيرة زادت من شعبيته ولفتت الأنظار إليه كزعيم جديد في الساحة التركية.
بدءاً حاول أردوغان إمساك العصا من الوسط مقدما شكلا جديدا من الوسطية التي ستكون سببا في فوز حزبه بالأغلبية في انتخابات عام 2002 الأمر الذي جعله يشكل الحكومة منفردا برئاسة عبد الله غل بدلا من أردوغان الذي كان لا يزال خاضعا للمنع القانوني.
بعد شهور تم تعديل الدستور للسماح بتولي زعيم الحزب أردوغان منصب رئاسة الوزارة الذي حاول خلال ولايته التأكيد على نهجه الوسطي.
**
مواقف لا تنسى
# رجب طيب أردوغان، ذرف دمعة غالية جـــدا وبكى على بعض مــن جرحى قطاع غـــزة، الذين كانــوا يعالجون في مستشفى بأنقـــرة، بكى بعـــد رؤيته لإصاباتهــم وأطرافهم المقطّعة الأوصال وحروق أجسادهم جرّاء المحرقة الإسرائيلية في غزة.
# في أحد اجتماعاته الحزبيّـة كان مــن بين كلماته التي قالها: “إن الانسانيـّـة تحتضر مع قتل المدنيين والأطفال في غزة، وإن أي شيء لا يمكن أن يبرّر مثل هـذه الاعتداءات، التي السكوت عنها يعتبر مشاركة فيها”، انهمـــرت دمعتــه وانطلقت كلماته وتحركت مشاعره الإنسانية.
# حادثة نادرة عندما قرر عام 2003 عدم فتــح أراضيه أمام قوات الاحتلال الأمريكي وحلفائها لغزو العراق.
# أثناء الهجوم الإسرائيلي على غـــزة، جاب دول الشرق الأوسط وتحـدّث لقادة الـــــدول بما يخص القضية الفلسطينية، ولم يــدع محفلاً إلا وطرح موضـوع فلسطين ومعاناة أبنائها.
# شاهد الجميع موقف أردوغان مع الرئيس الصهيوني فـــي مؤتمر دافوس 2009، عندما رفض مصافحته وغادر، وقال دونما استحياء ولا خوف من لومة لائم: “إن الجيش الإسرائيلي يقتل الأطفال في شواطئ غـــزة، ورؤساء وزرائكم قالوا لـي، إنهم يكونون سعداء جدا عندما يدخلون غزة على متن دباباتهم”. وعند عودته لتركيا احتشد عشرات الآلاف من المواطنين ليلاً لاستقباله حاملين الأعلام التركية والفلسطينية ولافتات تقول: (مرحباً بعودة المنتصر في دافوس).
# في اليوم العالمي للمهاجرين، انتقد أردوغان مواقف الغرب تجاه اللاجئين، قائلاً إن العديد من الدول الغربية لا تعبأ بحياة أو وفاة ملايين اللاجئين وما يهمها فقط هو منعهم من دخول أراضيها.
المصدر : صحيفة اليوم التالي



مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين