كثيرة هي الأساطير التي تحكى عن شعب دولة الجنوب وقبائلها وأعراقها المختلفة، وربما لا يخرج الصراع الدموي الذي يجري حاليا هناك من هذه الأساطير والحكاوى التي يؤمن بها شعب الجنوب كثيرا، وبالإمكان أن نستلف ما قاله ابن السلطان دينج مجوك سلطان دينكا نقوك (فرانسيس) في روايته الموسومة بـ(طائر الشؤم) والتي قال عنها إنه يقصد بها صوت طائر (البومة) والذي اعتبره يمثل الإعلان عن أخبار غير سارة وحكى (فرانسيس) أن الدينكا عندما يسمعون هذا الصوت يقومون بالصلوات حتى لا يحدث مكروه، ومن هذا المنطلق جاءت (طائر الشؤم) كجرس إنذار مبكر حتى يفعل الناس شيئاً قبل وقوع الكارثة، ويبدو أن (البومة) ظلت تطلق صوتها الكريه بشكل متكرر في دولة الجنوب لإنذار الناس هناك بعد أن ظل الوضع متأزما منذ الانفصال ولم يبارح منصة الانطلاق، وازداد سوءاً جراء المعارك الدامية التي شهدتها مناطق متفرقة من دولة الجنوب بين قوات سلفاكير ميارديت رئيس الجمهورية وقوات رياك مشار نائبه السابق، والتي أفرزت الواقع المرير الذي يعيشه الجنوب اليوم.
أزمة جوبا وموقف الخرطوم
منذ أن نال الجنوب استقلاله قبل نحو خمسة أعوام تقريبا، لم يشهد استقرارا، وظل على الدوام في حالة صراع داخلي بين مجموعتي (سلفاكير وميارديت) والتي قادت إلى تمرد مشار، وبعد معارك عنيفة شهدتها مناطق عديدة في الجنوب بين قوات الرجلين، توصل الطرفان إلى اتفاق سلام عاد بموجبه مشار نائب أول لرئيس الجمهورية، وقبل أن تمضي أسابيع على اتفاق السلام وقعت الاشتباكات بين قوات سلفا كير ونائبه المقال رياك مشار في يوليو الماضي بعاصمة الجنوب، راح ضحيتها حوالي ثلاثمائة من المدنيين وجنديان صينيان من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، كما تسبب القتال في نزوح عشرات الآلاف من المدنيين ولجوء كثير منهم إلى معسكرات أممية في (جوبا). وفي ظل هذا الواقع الشائك رفضت الحكومة السودانية طلبا غربيا للتوسط منفردة، في حل الأزمة الناشبة، كما عارضت إرسال قوات إلى دولة الجنوب ضمن المنظومة الدولية أو حتى الإقليمية التي أقرتها (إيقاد)، ووافقت فقط على أن تكون جهودها في إطار المساعي الجماعية المبذولة من دول المنطقة، وبررت الخرطوم قراراتها تلك بحساسية موقفها حيال الصراع بين الرجلين الأولين في دولة جنوب السودان، ومنعا لاتهامها بالانحياز إلى أحد الأطراف، حيث أنها ظلت على الدوام محل تشكك من حكومة كير بإيوائها معارضين له وتقديم العون والسند لهم.
مشار.. لدواعٍ إنسانية
حسناً، (الثلاثاء) الماضي كانت الحكومة قد كشفت عن وجود الدكتور مشار بالخرطوم، وقالت إنها أخطرت جوبا باستقبالها الرجل لدواعٍ إنسانية، بينما لم يحدد بيانها الممهور باسم أحمد بلال عثمان وزير الإعلام، المتحدث باسم الحكومة السودانية توقيت وصول مشار إلى الخرطوم. واكتفى بالقول: “استقبل السودان، مؤخراً، د. رياك مشار، نظراً لأسباب إنسانية بحتة” وقالت بعض المصادر إن مشار نقل فور وصوله إلى أحد المستشفيات الخاصة في الخرطوم، وأخضع على الفور لعلاج مكثف. وسبق للأمم المتحدة أن أعلنت عن استقبالها لمشار في دولة الكنغو لذات الدواعي.
غريمان في الخرطوم
تزامن وجود رياك مشار في الخرطوم على ما يبدو مع زيارة النائب الأول لدولة جنوب السودان تعبان دينق للسودان، حيث وصل الأخير الأحد في أول زيارة للعاصمة السودانية بعد تعيينه خلفاً لرياك مشار. الزيارة بحسب مراقبين وضعت الحكومة السودانية أمام منعطف جديد في علاقات البلدين المتأرجحة على الدوام، وبدا واضحا أن جوبا باتت تعول أكثر من أي وقت سابق على مساندة الخرطوم لها في محنتها، سيما وأنها تواجه ضغطا دوليا تتزعمه الولايات المتحدة الأميركية تحت غطاء الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لحملها على الرضوخ لقرارات دولية بينما تتغلب على روح الحكومة في جوبا نزعة تمرد جامحة لمقاومة تلك القرارات؛ المتمثلة في اعتزام الكيان الأممي إرسال فريق تحقيق في أحداث الشهر الماضي حول الاعتداء على المدنيين وقضايا اعتداءات جنسية، وعدة اتهامات أخرى.
وفي ذات المنحى هدد جون كيري وزير الخارجية الأميركي، جنوب السودان بقطع المعونات وحظر الأسلحة وتفعيل عقوبات الأمم المتحدة حال عدم التنفيذ الكامل لاتفاق السلام.
جوبا ترفض
وكان مجلس الأمن الدولي أجاز في وقت سابق نشر أربعة آلاف جندي إضافي من أصحاب القبعات الزرق لضمان الأمن في جوبا وردع الهجمات على قواعد الأمم المتحدة، مع تهديدات بفرض حظر على الأسلحة إن أعاقت الحكومة في جنوب السودان هذا الانتشار. جوبا رفضت مشروع القرار معتبرة أنه ينتهك سيادة البلد المستقل منذ العام 2011م وأعربت عن عدم اهتمامها بأي عقوبات يمكن فرضها عليها جرّاء ذلك الرفض، إذ أنها تعتبر خطوتها مقدمة لرفض وصاية دولية على الدولة.
توترات العلاقة
العلاقة بين دولتي السودان والجنوب هي الأخرى توترت كثيرا بعد الانفصال نتيجة أسباب كثيرة وأفرز هذا التوتر عدم ثقة بينهما بسبب التركة (السياسية والعسكرية) بعد أن احتفظت دولة الجنوب بالود القديم مع رفاق الأمس الذين يتبعون للحركة الشعبية قطاع الشمال في دولة السودان، إلى جانب توطيد علاقتها مع قطاع الشمال والحركات المسلحة الدارفورية والمساهمة في تأسيس الجبهة الثورية التي ضمت هذه الفصائل في جسم واحد وتقديم عمليات الدعم والإيواء لتلك الحركات الأمر الذي كشفت عنه الخرطوم منذ فترة طويلة، فيما خلف ذهاب الجنوب إلى سبيله الآخر تعقيدات أمنية تتصل بدولة السودان أبرزها عدم فك الارتباط بين الجيش الشعبي لدولة الجنوب والفرقتين (التاسعة والعاشرة) اللتين أصبحتا (خميرة عكننة) على الرغم من أن فك الارتباط بين هاتين الفرقتين والجيش الشعبي كان يفترض أن يتم ضمن الترتيبات الأمنية التي انسحبت بموجبها القوات المسلحة من الجنوب بموجب اتفاقية (نيفاشا) ولكن ظل بقاء الفرقتين مرتبطا بالحركة الشعبية قطاع الشمال.
تعقيدات الصراع
وفي السياق يرى بعض المتابعين أن دولة الجنوب ظلت تعاني منذ تأسيسها من تعقيدات داخلية أبرزها طغيان القبلية على الأحزاب السياسية ويظهر هذا خلال الصراع الدائر حاليا بين (سلفاكير ومشار) والذي أدى بدوره إلى انقسام مؤسسة الحركة الشعبية والجيش الشعبي من القاعدة إلى الهرم، وظهر الصراع وكأنه سياسي لكن الحقائق الماثلة تؤكد أنه صراع بين (الدينكا والنوير) وخطورة الصراع تكمن في الانقسامات التي شهدتها مؤسسة الجيش الشعبي العسكرية والتي كانت انقسامات قبلية الأمر الذي يعقد ويعمق من طبيعة الصراع، ويبدو من خلال الواقع أن التعقيدات الماثلة ربما يصعب التعامل معها وتصعب معالجتها في الوقت الراهن ما لم يقدم أحد أطراف الصرع تنازلات ويعي خطورة الأمر.

اليوم التالي

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين