توجيه منتمين فكريًا أو تنظيميًا لجماعات إرهابية السلاح نحو صدور أسرهم ومقربين منهم في جرائم متعددة هزت المجتمع السعودي والعربي والعالمي بسبب بشاعة التنفيذ مما يجعل العقل لا يستوعب الأسباب الدافعة لشباب من صغار السن لقتل أقرب المقربين منهم، ويظل المجتمع في استنكار وعدم تصديق، وفي محاولة لفهم الأسباب والبحث عن الحلول “عين اليوم” سألت مختصين؛ أرجعوا الجرائم البشعة وخاصة في محيط الأسرة إلى اعتناق الأفكار المتطرفة والإيمان بالفتاوى المضللة والتفسيرات الخاطئة للنصوص الدينية، مشددين على أن التفجير يبدأ بالتكفير، ولم يغفل المختصون دور القدوة السيئة والتنشئة الاجتماعية وعوامل أخرى عديدة، وطالبوا بضرورة دراسة “رسائل داعش” وخطابها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
* القدوة.. الحسنة والسيئة
يقول الأكاديمي والباحث في مجال الإرهاب والانحرافات الفكرية الدكتور ماهر البردي لـ”عين اليوم”: للحماس والشعور الديني لدى صغار السن من الشباب والمراهقين دور كبير، وكل شاب يمر خلال مراحل حياته بهذا الحماس الديني، ولكن هنالك اختلاف كبير بين شاب وآخر وبين مجتمع وآخر، بالنظر إلى الاختلافات في العملية التربوية والتعليمة والتنشئة الأسرية والاجتماعية وأيضًا النموذج الديني (القدوة الحسنة) الذي يمنح الشاب التعاليم الدينية السليمة والآداب ومكارم الأخلاق التي يحرص عليها الإسلام لتكون طريقًا يسير عليه في مراحل عمره المختلفة متمثلة في الحب والتسامح وتقبل الآخر والرفق بالآخرين واللين في الكلام وأيضًا تنمية ملكة التفكير والتفكر والربط والاستنباط وتزويدهم بالمعلومات الصحيحة النافعة لهم وأيضًا للقدوة الحسنة دور في تذوق الجمال وحب الحياة في مقابل النموذج (القدوة السيئة) الذي يغرس ثقافة الموت والتفجير والتكفير ويحمل معه مفاهيم وأفكارًا لا تمثل الإسلام بأي شكل من الأشكال؛ أفكار تقوم على العنف والكراهية والحقد على الآخر.
* مرحلة الطفولة
وتابع البردي: لذلك نجد مرحلة المراهقة (المراهقة المتأخرة) تعتبر المرحلة الانتقالية ومرحلة العبور إلى عالم الرشد، وتعتمد هذه المرحلة اعتمادًا كبيرًا على مرحلة الطفولة في بناء الشخصية ومنها الشخصية المتطرفة والمنحرفة فكريًا بمعنى أن التدرج الديني يكون من مرحلة الطفولة وهذا التدرج أو النمو يخضع إلى عوامل تؤثر في بناء شخصية هذا الشاب سواء كان متطرفًا ومنحرفًا فكريًا أو معتدلًا وذا شخصية سوية، عندما يجد هذا الشاب في طفولته مفاهيم مغلوطة لمن حوله تترسخ هذه المفاهيم ثم تتعزز من قبل الأسرة والإعلام الناشر للكراهية والمعلومات المغلوطة ووسائل التواصل الاجتماعي وفتاوى وتحريض دعاة الفتنة المشوهة التي تتكرر لدى الشخص من طفولته حتى مراهقته إذًا كما تحدثنا عن العوامل ليس هنالك عامل واحد فقط بل عدة عوامل إذا ما تحققت تكونت لدينا هذه الشخصية المضادة للمجتمع التي تقدم على القتل مثل بناء الأفكار اللاعقلانية التي تبرمج عليها على مدى سنوات بمعنى أن هذا الشاب المراهق يصبح لديه الاستعداد مسبقًا بناء على المنقوشات الفكرية نوعها وشكلها وتوجهها وخاصة عندما يفقد في طفولته معرفة المفهوم الحقيقي للدين.
* توظيف الفتاوى
وأشار الأكاديمي والباحث في مجال الإرهاب إلى أنه عندما نتحدث عن ظاهرة انتشار قتل الأقارب في الآونة الأخيرة مع ظهور جماعات متطرفة كداعش وجبهة النصرة وغيرها وما أحدثته هذه الجرائم من صدمة لدى المجتمع دليل على مستوى التوحش ودرجة الإجرام العالية التي يتصف بها متبنّي هذا الفكر، وما الحادث الأخير لشابين مراهقين قتلا والدتهما وحاولا قتل والدهما وشقيقهما الأصغر، وما حدث قبل ذلك من اعتداء على الخال وابن العم وكل من تربطه صلة بصاحب الفكر المنحرف إلا دليل على انتشار ثقافة قتل الأقارب نتيجة لتلك العوامل التي ذكرتها سابقًا، وأيضًا هناك عامل آخر هو توظيف هذه الجماعات المتطرفة للفتاوى التي لا تعتبر صحيحة وتفسير النصوص الدينية وإخراجها عن مسارها الصحيح وفق رغباتهم وميولهم وتوجهاتهم وتحقيق مآربهم وأهدافهم التي منها تجنيد العديد من صغار وهي بذلك تمارس نوعًا من أنواع غسيل الدماغ واللعب على الجانب الوجداني وعلى المشاعر الدينية، مستغلة الحماس للدين وأيضًا النمو الانفعالي الذي ذكرناه سابقًا، وما يجعل المراهق ينغمس وينصهر مع هذه التعاليم المشوهة هو تعامله السطحي دون أن يكلف نفسه عناء البحث في الفتاوى وما هي درجة العلم الشرعي لصاحب الفتوى، وربما يتلقى الشاب التعليمات عن طريق وسائل الاتصال فقط، وعندما يتعامل المراهق مع هذه الجرائم يستخدم أحد أساليب الدفاع النفسي التبريري لفعلته الشنيعة، لذلك يضيف البردي: أنا ضد من يحمّل التعليم أو المناهج التعليمية المسؤولية فقط بل إن هنالك عوامل مشتركة وعديدة إذا ما وجدت الشخصية المتطرفة المنحرفة فكريًا، ولذلك أعتقد أن العوامل والأسباب التي أخرجت المشكلة وجعلتها ظاهرة هي نفسها عوامل الحل والعلاج لهذه المشكلة.
* دراسة الوضع النفسي للتوأمين
ووصفت استشاري الطب النفسي وخبيرة الأمم المتحدة في علاج الإدمان عند النساء لشمال إفريقيا والشرق الأوسط الدكتورة منى الصواف حادث الحمراء بـ”القضية المرعبة” لكل إنسان سمع بها أو قرأ عنها أو تابعها في وسائل الإعلام بكل أنواعها، وهي جريمة قاسية جدًا من أبناء تجاه أمهم وكلنا نعرف بر الوالدين في كل الديانات والمجتمعات، كما أنها وقعت في شهر رمضان الذي يعتبر شهرًا مقدسًا عند المسلمين، وأضافت: أنا ضد فكرة القفز بالأحداث ونعطي تشخيصًا نفسيًا لهؤلاء المعتدين قبل تحري الدقة في مفهوم المرض النفسي فمثل هذه الحالات لا بد من دراستها بدقة وعناية من قبل المختصين فيما يعرف بعلم النفس الجنائي أو طب النفس الجنائي حتى نتأكد من سلامة قواهم العقلية، والملفت في القضية أنهما توأمان وهذا يمكن أن يكون مثيرًا للانتباه والاستغراب ويتطلب دراسة مثل هذه الحالة النادرة والشاذة ولا أعتقد أنه في التاريخ الحديث لمجتمعنا السعودي قد وقع مثل هذا الاعتداء على أي من الأبوين من قبل توأمين بهذه الطريقة ولا بد من دراسة الوضع النفسي للتوأمين لتحديد أسباب الجريمة ودراسة الدلائل والقرائن والحقائق والقوى العقلية التي قد تحتاج إلى ملاحظة دقيقة لشهور وأخذ التاريخ المرضي للحالتين.
* اللعب على الغرائز والحور العين
وعن آلية تغيير التفكير، أضافت الصواف: الفكرة ناتجة عن علم يجري ربطة بفكرة ما وبعاطفة ما متناغمة مع الفكرة، وما أفهمه منها وأرسّخه في ذهني وأتفاعل وأتعامل مع الفكرة في واقع الحياة، والأفكار يمكن أن تتغير وتتلون وتصل إلى مرحلة ناضجة مع بلوغ الإنسان النضج العقلي واكتمال نمو الشخصية، واللعب بالأفكار يجري عن طريق غرز أفكار أخرى مضادة ومغايرة وتتوافق مع أمنيات المراهق والشاب المستقبلية وفي مثل هذه الحالات يجري التلاعب بالمبادئ والمثل العليا بطريقة خاطئة مثل تشجيعهم على قتل أقاربهم احتسابًا للأجر وإغفالًا لأنها قتل للنفس التي حرم الله إلا بالحق، واللعب على الغرائز الموجودة وتحبيبهم بما يعرف بالحور العين والجنة وإغفال بر الوالدين وأنها أحد الطرق المؤدية للجنة فالأب والأم ومنعهما للشباب من الذهاب للجهاد يكونان بذلك قد خرجا من الملة التي وضعت أسسها بعيدًا عن الدين الإسلامي الحقيقي الذي بدأ يتضرر بمثل هذه التصرفات.
* ضرورة دراسة “رسائل داعش”
وقالت استشاري الطب النفسي: هناك سؤال مهم لا بد من طرحه وهو عن مدى اطلاع المختصين في علم النفس والطب النفسي وعلم الاجتماع على محتوى الرسائل التي تبثها مواقع لداعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى، مشددة على أهمية الاطلاع على مضمون هذه الرسائل وتحليلها تحليلًا علميًا لفهم عقليات المجموعة المجرمة وحتى نجد طريقة مضادة لحماية الشباب بعيدًا عن التنظير دون دقة وتحرٍ عن آليات وكيفية وصول هذه الرسائل ومحتواها الخطير لمثل هذه الفئة فهناك صفات معينة يبحث عنها الداعشيون في تجنيد الشباب في المجتمعات الغربية أو العربية فهم يعرفون كيف يختارون الأشخاص الذين يحققون أهدافهم.
يذكر أن المتحدث باسم وزارة الداخلية اللواء منصور التركي أشار إلى انتفاء وجود أية سوابق أمنية أو جنائية لمرتكبي جريمة الحمراء، وأن الجهات الأمنية لم يسبق لها تلقي أية اتصالات ذات علاقة بهما من أحد أو عن وجود نوايا لخروجهما إلى مناطق الصراع، مبينًا أن التحقيقات لا تزال مستمرة مع الموقوفين لمعرفة كامل الحقيقة، جاء ذلك بعد تداول خطاب مزيف في مواقع التواصل الاجتماعي باسم أسرة العريني يفيد بأنها تقدمت ببلاغ عن نية التوأمين الالتحاق بمناطق الصراع في سوريا.

عين

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين