ينتظر المسلمون في أرجاء المعمورة أجواء شهر رمضان بكثير من الشغف. ورغم تفاوت ساعات الصيام وفقًا لحالة شروق وغروب الشمس، إلا أن فرحة قلوبهم لا تخبو خلف إرهاق الصيام. الإرهاق الحقيقي هو في صيام مسلمي سكان البلدان التي تقع في المنطقة الإسكندنافية مثل فنلندا، وأيسلندا، والسويد، والدنمارك، والنرويج، فهناك نهار الصيام قد يدوم لأكثر من 21 ساعة.

بعض مجالس الإفتاء أرادت التخفيف والتيسير، على الصائمين في بلدانٍ لا تغيب فيها الشمس أبدًا، حيث أعلن المجلس الأوروبي للإفتاء أن مناطق أقصى شمال السويد، والتي تتمتع بشمسٍ طوال 24 ساعة، بإمكان سكانها الاعتماد على الأوقات من العام، التي يكون فيها الليل والنهار متساويين كمعيار لتحديد وقت الصيام والصلاة في رمضان، وفي الأشهر الأخرى التي لا تغيب فيها الشمس.
أما الدول التي فيها ليل لكنه قصير ويخلو من علامات واضحة للفجر، وغير كافية لصلاة العشاء والتراويح والسحور، فهؤلاء بإمكانهم النظر إلى آخر يوم لديهم كانت فيه علامات الشروق والغروب والعشاء واضحة، وأخذ هذه الأوقات واعتمادها في رمضان، وهي غالبًا تكون في آخر أبريل (نيسان) في بعض البلاد، وأول مايو (أيار) في دول أخرى.

في حين تُشير فتوى أخرى إلى إمكانية أن يُؤخر المسلمون في البلاد ذات الليل القصير الفجر والسحور إلى ما قبل ساعة وخمس دقائق من الشروق، فيمكن للمسلم أن يبقى يأكل ويشرب ويصلي الفجر قبل ساعة وخمس دقائق من الشروق. فتاوى التخفيف والتيسير تلك، لم تُخفف من واقع طول ساعات الصيام المسلمين هناك، كونهم يفتقدون الأجواء الرمضانية الجميلة من جهة، ويُساورهم القلق على أبنائهم من جهة أخرى، فيصرون على الانتقال في رمضان إلى أماكن تقربهم من الصيام في أجواء إيمانية واجتماعية.
السفر للتغلب على طول ساعات الصيام

في مناطق شمال السويد، يواجه المسلمون أيام صيام طويلة، كون صيف هذه المناطق هو الأطول نهارًا والأقصر ليلًا، إذ تكاد الشمس لا تغيب سوى دقائق، لذلك ومن مدينة «أوبسالا» السويدية والتي تقع أقصى شمال الكرة الأرضية، قرر عماد أبو لولي (43 عامًا) الذي يعيش في السويد منذ 16عامًا، قضاء شهر رمضان هذا في تركيا.
تمكن الرجل من تكليف أحد أصدقائه باختيار مكان مناسب للإيجار، كان ذلك في إسطنبول، في منطقة فاتح التي يوجد بها أشهر مساجد تركيا وهو مسجد «محمد الفاتح»، وهناك بإمكانه الوصول بسهولة للصلاة في المسجد، بسبب محطات المترو والحافلات. كان قرار أبي لولي نابعًا من رغبته في إمضاء شهر رمضان في بلد غالبية سكانه مسلمين، لكنه أيضًا لا يُنكر، أنه -وغيره كثير- قرر الانتقال المؤقت إلى تركيا، لأن ساعات الصيام في مدينة أوبسالا السويدية، تكاد لا تنتهي.
يقول أبو لولي وهو أب لأربعة أبناء، فتاتين وصبيين، إنّ «أجمل ما في الأمر سعادة أبنائي بهذا القرار، سيتمكنون من صيام 16 ساعةً بدلًا من 21 ساعةً، وسنصلي التراويح في مسجد الفاتح». وأضاف: «أنا حريص أن يتعلم أبنائي الصيام، وهنا من الصعب تحقيق ذلك، لقد انتهزت إجازة أبنائي، وعدم تعلقي بأمور هنا، وعجلت لقضاء شهر رمضان في تركيا».

يذكر أنّ الأغلبية من المسلمين القاطنين في شمال السويد يصومون وفق التوقيت المحلي، والذي قد يصل فيه طول فترة الامتناع عن الأكل والشرب، إلى 22 ساعة. لكن البعض يصوم وفقًا لتوقيت البلد التي قدم منها، ومنهم من يصوم وفقًا لمدينة «مالمو» السويدية، والتي تقل فيها عدد ساعات الصيام لوقوعها في أقصى جنوب السويد، ومنهم من يصوم حسب توقيت مكة المكرمة، أو توقيت تركيا، حيث الدولة الإسلامية الأقرب إلى شمال أوروبا.
من فرنسا إلى غزة لقضاء رمضان
قررت الحاجة حسنة أبو سيدو (73 عامًا)، التي تعيش في مدينة تولوز الفرنسية، قضاء شهر رمضان في غزة، حيث مسقط رأسها. سيُسمح لها بالوصول إلى غزة، عبر الأردن ومن ثم معبر بيت حانون (إيرز). تقول الحاجة حسنة: «لا أستطيع الصيام هنا، وأنا حريصة على أن أعيش أجواء رمضان كاملة، لذلك سأقضي رمضان في غزة كما الأعوام السابقة».

أمل في قضاء رمضان في الأردن
لا فترة محددة لبزوغ الشمس وبقائها، فقد لا تغيب الشمس في فصل الصيف عن بعض المناطق في النرويج، وقد تغيب ساعة فقط، أي أن النهار يستمر فيها لأكثر من 23 ساعة، يحدث ذلك خاصةً في المناطق الشمالية، التي تشكل نحو 35% من المساحة الإجمالية للنرويج.
يستعد حاتم أبو شمالة (40 عامًا) لصلاة التراويح خلال الأيام المقبلة، في أقرب مسجد بمدينته النرويجية «همر»، أما أبناؤه الأربعة وليد وحلا وكريم، والرضيعة ميلا، فهم مقدمون على أجواء مغايرة عن أيامهم الاعتيادية، كاستضافة عائلة صديقة على الإفطار، أو ذهابهم لتلبية دعوة إفطار خارج المنزل. ستعد أمهم أيضًا بعض المأكولات الخاصة برمضان مثل القطايف أو الكنافة.
قرر حاتم منذ عامين الصيام حسب ساعات الصيام في تونس، بحيث يمسك على النرويج، ويفطر حسب تونس، التي لها نفس خطوط الطول مع النرويج، يقول حاتم: «هنا تختلف طرق اعتماد وقت الإمساك والصيام، وبدأت أصوم وأعلم أبنائي الصيام، وهو أمر هام بالنسبة لي»، مُضيفًا: «لا يستطيع الأطفال الصيام حسب الوقت الحقيقي للغروب والشروق، وإفطار رمضان ليس حلًّا يرضيني، فهم مسلمون عليهم الصلاة والصوم بغض النظر عن عدد الساعات».

ويشير أبو شمالة خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إلى الفتوى الدينية التي يسّرت على المسلمين في أمر الصيام، قائلًا: «قد يكون أحدهم وحيدًا في الصيام في فصله الدراسي، أو يكون واحدًا من خمسة على الأكثر من الصائمين في المدرسة، فإذ ما أجبرت ابني على الصيام حتى الساعة العاشرة والنصف، موعد صلاة المغرب، فسيكون الأمر قاسيًا جدًّا، قد يغمي عليه بالمدرسة».

في مدينة «البورغ» الواقعة شمال الدنمارك، تقضي السيدة وفاء موسى مع زوجها لثاني مرة شهر رمضان، في هذه المدينة، حيث تسجل الدنمارك أقصى مدة صيام في العالم. أكدت وفاء أن رمضان في دول أوروبا يفتقر للطقوس في البلاد الإسلامية والعربية، بسبب طول ساعات الصيام، لذلك يضطر المسلمون لعيش طقوس رمضان الأساسية فقط، وهي الصيام من الفجر للمغرب، وصلاة التراويح التي لا يرفع أذانها في المساجد ولا يسمع الدعاء والصلاة.

تقول وفاء إن ساعات الصيام التي تزيد عن 20 ساعة، يخفف وطأتها الجو البارد الذي يساعد على الصيام، لكنهم يواجهون مشكلة أخرى، وهي أن قصر الوقت ما بين صلاة العشاء وصلاة الفجر المقدر بـ3 ساعات، إذ عليها تناول الإفطار في الساعة العاشرة والنصف مساءً، ما يجعل القيام بالعبادات أصعب من الصيام، مُضيفة: «يُحاول المسلمون تأدية فريضة الصيام بأقصى جهد، لكن وقت الصيام يرافقه تعب وإجهاد للجسد، إضافة للمسافة القصيرة ما بين العشاء والفجر«.
يُسعد وفاء مشهد من يتناولون الإفطار في المطاعم أو في المنتزهات، ويسعدها أكثر رُؤية المسلمين يُمارسون طقوس شهر رمضان، من عبادات وعادات.

ساسة بوست

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين