في فبراير (شباط) الماضي، تسبب بث «قناة العربية» لفيلم وثائقي، عنوانه ب«حكاية حسن»، في إعفاء الإعلامي السعودي، «تركي الدخيل»، من منصبه في إدارة القناة؛ وذلك لاعتبار البعض الفيلم بمثابة دعم لـ«حسن نصرالله»، زعيم حزب الله، كما أظهر الوسم (هاشتاج) الذي انتقد الفيلم، وهو «#العربية_تدعم_حسن_نصر_الله»، أو «#العربية_تطعن_السعوديين_في_الظهر».

لكن الأغرب، أن القناة لم تكتف بإعفاء الدخيل، بل إنها أغلقت مكتبها في «بيروت»، وسرحت موظفيه، ثم قررت إغلاق مكتبها في «غزة»، وتسريح موظفيه، لتأتي المفاجأة الأكبر، وهي قرار القناة، تسريح ما يقرب من 50 موظف، بينهم صحافيون وإداريون وفنيون من مكتبها الرئيس، وأبرزهم «ناصر الصرامي»، المتحدث باسم القناة، والمذيعة «نيكول تنوري»، و«جيزيل حبيب» مقدمة برنامج الصحافة.
أزمة مالية أم تغيير الهيكلية
فُصل نحو 50 موظفًا من قناة العربية، كثيرٌ منهم مُقربون من مدير القناة الأسبق، «عبد الرحمن الراشد»، وأُنهيت عقود هؤلاء، عبر تسوية وصلت إلى نحو ستة أشهر، وفقًا للقانون المعمول به.

وفيما قُرئ القرار ـ بشكل عاجل ـ على أنّه ناجم عن التعسر المالي الذي تواجهه دول الخليج؛ بسبب انخفاض أسعار النفط، ومن ثمّ قرارإجراءات «التقشّف»، إلا أن قراءة أخرى لا تستبعد حرص دول الخليج، وخاصة السعودية، على إنشاء منظومة إعلامية بديلة للمنظومة القائمة؛ تتوافق مع رؤيتها بشكل أكبر، وهو ما يعني ضخ مال أكثر من ذي قبل في الإعلام، وتأسيس قنوات، ومنظومة إعلامية ضخمة؛ فقناة العربية، التي هي بشكلها الحالي، لم تلب طموح السلطة القائمة في السعودية؛ ففضلت تغيير هيكلتها، بعدما اقتنعت أن الحل هو الاستحواذ، بحيث يجري ذلك بتطهير القناة من الكفاءات الصحافية، من جنسيات عربية متعددة، واستبدال وجوه وعناصر جديدة بهم، وفق مواصفات السياسة السعودية الجديدة، مع أهمية التركيز على مسألة الانسجام مع هذه السياسة، خاصة عند الحديث عن «لبنان واليمن وسوريا والعراق».

ويعتبر القرار بمثابة ترتيب للأوراق، وتجديد للدماء، وقد يكون، دليلًا على ذلك، الاستغناء عن رؤوس صناع القرار، في القناة، وليس مجرد عمالة زائدة، وقد شمل التسريح دولًا عربية مثل العراق وسوريا واليمن وفلسطين، ولم يستثن موظفون من الطائفة الشيعية، المتعاطفة مع ما يسمى بـ«محور الممانعة»، وهو ما يعني أن عملية التسريح أتت لأسباب سياسية أيضا؛ في إطار خطة لإعادة هيكلتها، وفق أسس جديدة.

ويمكننا هنا الإشارة إلى أن الحكومة السعودية، تملكت القناة التي تأسست في 2003، بعدما كانت مملوكة للشيخ «وليد آل إبراهيم»، صهر العاهل السعودي الراحل «فهد بن عبدالعزيز». وأصبحت القناة تحت سيطرة الأمير «محمد بن سلمان»، ولي ولي العهد السعودي؛ لتصبح جزءًا من شبكة إعلامية سعودية، تركز على المشروع السعودي، وتروج له سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وتعتمد على عدد من الباحثين والكتّاب الليبراليين غير السعوديين، الذين يُستعملون للرد على الاتهامات، وتحسين صورة المملكة أمام العالم.
السياسة التحريرية على خُطا الاستراتيجية السعودية

أكثر من سبب يُقرأ وراء عملية التسريح لموظفي قناة العربية، أهمها، كما يقول رئيس «المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام» (تكامل مصر)،الباحث «مصطفى خضري» «الصراع المحتدم داخل الأسرة السعودية، بين جناح ليبرالي؛ عاش لفترة طويلة يُمهد لكون المملكة ذراع الولايات المتحدة في المنطقة، وجناح ميكافيلي يتدثر بغطاء إسلامي؛ ليعرض السعودية كقائدة للعالم الإسلامي بأكمله، وليس العربي فقط، وكل تغير في الاستراتيجية لابد وأن يتبعه تغير في الأدوات الفاعلة»، مُضيفًا «ولكون الإعلام، أهم أداة فاعلة في الصراع السياسي؛ فكان لابد من تغيير حقيقي في التوجه؛ مما يستوجب تغيير الوجوه الصانعة لهذا التوجه».
مدير عام قناة العربية المُقال «تركي الدخيل»

وفيما يتعلق بأثر التوجهات والسياسات، وفي مقدمتها السياسات السعودية على وسائل الإعلام الكبيرة، يري خضري أنه «منذ تولي سعود الفيصل وزارة الخارجية؛ انتهجت المملكة سياسة جديدة في التعامل مع الإعلام، قوامها الرئيس شراء مباشر أو غير مباشرلكل وسيلة إعلامية مؤثرة داخل دول الجوار، ولم تختلف تلك السياسة حتى الآن»، وأكد خضري لـ«ساسة بوست»، أن أي تغير في الاستراتيجية السعودية، يتبعه تغير في السياسة التحريرية لكل الوسائل الإعلامية المرتبطة بالمملكة، ويمكن ربط ما حدث في العربية بما حدث، وسيحدث، في مصر؛ من اندماجات واستحواذات وتغيرات في الخريطة الإعلامية.
فترة تجفيف منابع الإعلام

«لا يعد تسريح قناة العربية لموظفيها، حالة فريدة بين وسائل الإعلام العربية، ومن ثم يجب ألا نحصره في الأسباب المالية، ولكن في السياق الدولي والإقليمي»، هذا ما يراه الباحث في مجال الإعلام، «مصطفي عاشور»، الذي أضاف قائلًا: إنّ« تسريح القناة لموظفيها، وإغلاق بعض مكاتبها يأتي في الإطار العام الذي بدأ يبرز على الساحة العربية، ويري أنه لايحتاج إلى إزعاج إعلامي أكبر، على اعتبار أن الإعلام أدى دوره في الإثارة، والآن وقت الهدوء والضبط، ووقف الفوضى» .

وفي حديثه لـ«ساسة بوست»، يعرب عاشور عن وجهة نظره، في أن «المنطقة انتقلت من الفوضى الخلاقة إلى الضبط، وترتيب الأوراق، وتثبيت ما جرى على الأرض، والإعلام في هذه الحالة يجب ألا يكون حاضرًا في تلك الترتيبات، سواء بنثر البخور أو إشعال الحرائق». وأضاف «التحولات المهمة يتم فيها حجب الإعلام. في مؤتمر العالم الإسلامي إبان حكم الملك السعودي عبد العزيز سنة 1926، وبالرغم من حاجة الأمة لمعرفة ما يجري، أخرج الإعلام من المشهد بهدوء».

كما يرى أنّ«تمويلات الإعلام ستنسحب؛ لأنه أدى دوره، والفترة القادمة هي فترة تجفيف منابع الإعلام، ولذا ينبغي ملاحظة أن حجم وسائل الإعلام التي تغلق، ويقلص موظفوها كبيرة جدًا ومتصاعدة». وختم قائلًا «الإعلام يتم تجفيفه؛ الناس يجب أن تسكت الآن».
تراجع الاهتمام السعودي بالقضية الفلسطينية

في 16 مايو (أيار) الجاري، قررت قناة العربية فصل طاقهما العامل في غزة، وهم ثمانية موظفين، القرار الذي جاء بشكل رسمي أنهى التعاقد بين إدارة القناة والموظفين، وضمن مدخراتهم، وأتعابهم عن سنوات الخدمة السابقة، كما أخبرنا أحد المفصولين.

وبررت القناة قرارها بـ«الأوضاع السياسية والميدانية في غزة»، مُضيفةً، في بيان لها، «جاء الوقت لاتخاذ القرار الصعــب علينا، بعد اسـتنفاد كل المحاولات؛ لإعادة المكتب الذي أغلق قسـرًا، كما تعلمون بحكم القوة، من الجهة المســيطرة على الشارع في غزة».

الجهة التي تقصد بالجهة المسيطرة، هي حركة «حماس»، جاء قرارها بعد ثلاث سنوات على إغلاق المكتب، وتحديدًا في شهر يوليو (تموز) من العام 2013، وهو تصرف لا يبدو من المقنع أنه يكون مُرتبطًا بموقف حماس من القناة؛ إذ إنّ حماس سمحت بإعادة فتح مكتب القناة، لكن إدارتها هي التي رفضت، ووضعت شروطًا قبل العودة للعمل في غزة.

كمراقب، يمتلك الصحافي والأكاديمي «عبد الله السعافين»، قناعة بأن القرار الذي يبدو إداريًا ماليًا، هو في حقيقته قرار مشحون سياسيًا، مستبعدًا أن يكون له علاقة جوهرية بأزمة النفط «أزمة النفط باتت تستخدم ذريعة عند عدد من المؤسسات؛ لتبرير قرارات وسياسات إدارية».

ويقرأ السعافين، في تسريح موظفي قناة العربية في غزة، علاقة بتراجع الاهتمام السعودي بالقضية الفلسطينية بشكل عام، وبالحدث الفلسطيني في غزة بشكل خاص. مضيفًا، في حديثه لـ«ساسة بوست»، إنّ «هذا بالطبع ينطبق على مناطق أخرى في العالم، لكن اختصاص غزة بهذا القرار يثير حوله شبهات سياسية عديدة؛ فالقائمون على قناة العربية متسوقون مع القوى الإقليمية التي تحاصر غزة، وإغلاق مكتب صحفي، هو من باب المساهمة في الحصار، وتشديده، ويحمل دلالة واضحة، ومتجددة على انحياز القناة لصالح الخبر الذي يظهر حركة حماس، التي تدير قطاع غزة بالمظهر السلبي والمشوه«، كما أنّه لا يستبعد أن يكون الأمر متعلقًا بتأسيس منظومة إعلامية جديدة؛ تتوافق مع التغيرات في السياسة السعودية.
فيلم «حكاية حسن» وقرار إغلاق مكتب بيروت

في شهر أبريل (نيسان) الماضي، سرحت قناة العربية جميع الموظفين البالغ عددهم 27 موظفًا، في مكتبها بلبنان، واتخذت قرارًا بإغلاق المكتب. وجاء في بيان القناة، إنها ستمنح العاملين المسرحين جميع حقوقهم القانونية المنصوص عليها في التعاقدات. وفي تبريرها لهذا القرار، قالت القناة: إن ذلك يأتي «حرصًا على سلامة العاملين في المكتب».
إحدى مراسلات قناة العربية

القرار الذي اتخذ بعد عدة مواقف سياسية، ناجم عن توتر بين «الرياض وبيروت»، تعلق بما اعتبر أن ارتهان القرار الرسمي في لبنان بمواقف «حزب الله اللبناني»، الذي تعاديه السعودية، الإعلامي اللبناني «أحمد ياسين» يؤكد أن إغلاق المكتب في بيروت جاء بعد عدة أزمات، مستبعدًا منها الأزمة المالية.

يقول لـ«ساسة بوست»، إنّ «أكثر هذه الأسباب وضوحًا هو بث فيلم «حكاية حسن»، واعتبار أن قناة العربية داعمة لنصر الله؛ لأنها المسئولة عن هذا الفيلم الوثائقي»، واستدرك القول «جاء الإغلاق، بالرغم من أن غالبية موظفي العربية في مكتب بيروت ضد حسن نصر الله، وضد مواقف حزب الله، وأمس، سُرح كبار الموظفين، وأبرزهم الإعلامية نيكول تنوري؛ تحت شعار إعادة الهيكلية، أنا أعتقد أن الإعلام الكلاسيكي انتهى وقته».
ويصف ياسين حجة الخطر الأمني بـ«المضحكة»، قائلًا «المكتب موجود منذ عدة سنوات في بيروت، ولم يتعرض للخطر، وهناك العديد من القنوات العربية في بيروت، الحديث عن الخطر الأمني هو حديث واهٍ؛ لتبرير الصرف التعسفي».

ساسةبوست

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين