عقود وعقود من الحب حتى صار عند البعض ذلك العشق إلى حد الهيام الثقافي والاجتماعي، كاد أن يذوِّب هويتنا السياسية وسنوات من التعاضد العسكري أنشأنا كسودانيين الحديث فيما تراه الأنظمة والحكومات المتعاقبة من الموانع مما سبب لنا كثيراً من الأحيان والمواقف فواجع عسكرية واقتصادية وأخيراً في جزء من الوطن العزيز فواجع اجتماعية تهدف إلى إلغاء ديمغرافية وهوية ذلك الجزء، ثم جاء تاج الأمر ذلك النهج الدبلوماسي الذي يهدف إلى الإحاطة ثم إلغاء نهجنا الدبلوماسي المعروف تمهيداً لصيرورة السودان ذلك الفناء الخلفي الذي يمكن إدارته من خلف الكواليس هكذا صبَّرنا حب مصر وغيَّرنا إنه الحب من جانب واحد، وهو في نواميس وطقوس الحب لا يعني شيئاً.
ثم لما انزاحت تلك الغشاوة اكتشفنا أنه (الحب) ذلك الداء الحقيقي الذي ظل ينخر في عقولنا وعظامنا حتى أصحاب العقول وبعض عظمائنا ثم تفتحت الأعين على كؤوس ذلك الحب من الطرف الآخر وهي مترعة بالسموم التي قُدِّمت لنا في سكرة ذلك الحب وكدنا أو صار بعضنا بعضاً من الأدوات التي تحركها الأصابع المصرية كما تشاء أو ترضى عنها وقتما وكيفما تشاء، لقد مكّن ذلك الحب عقل الدولة المصرية العميقة بكل كياناتها أن تغتال آفاقنا السياسية الداخلية والخارجية، والنماذج على هذا الاغتيال متعددة ومتنوعة وشاهدة عليها الأحداث التي مرت أو تمر بها البلاد. لقد جعلتنا مصر الدولة نلهث كدولة خلف سراب رضاها الذي عن طريقه تثبت لنا ولغيرنا أنها من خلال الممارسة الظاهرة والمستترة صاحبة التفوق علينا في كل شيء حضارياً أو اجتماعياً أو سياسياً، لدرجة أن كثيراً من سياسيينا الذين اغترفوا من النبع السياسي والاجتماعي المصري غرفة واحدة بأيديهم صاروا هم الأبواق التي تبشر بالنهج المصري وقيادته حتى بعد التباريح التي سببها لنا الهوى المصري!.
إن السلوك أو النهج المصري تجاه دولة السودان الآن وشعبها هو بمثابة قطع الرحم الفكري والاجتماعي الذي يقود حتماً إلى قطع الرحم الثقافي في المدى القريب خاصة مع استمرار وتنامي اللهجة أو النبرة الاستعلائية في الخطاب الرسمي، وانسياق بعض الخطاب الجماهيري خلفه، والسؤال هنا إلى متى ستظل مجموعة الطحالب والطفيليات الصهيونية التي نمت حتى تقتات من جسم السودان الشعب والدولة، وتقوم مصر بتوفير البيئة الصالحة لهذا الإجراء في الداخل والخارج.
إن السودان وهو يوظف طاقاته الفكرية والروحية والسياسية والمادية يستند على مفهوم واضح لكل القوى الإقليمية عربياً وأفريقياً يرى نفسه أو يفرض عليه الواقع الجغرافي أن يكون هو المدخل والمخرج لأزمات الوطن العربي والأفريقي في قطاعي الطاقة والغذاء، بل وحتى مقومات الصناعة المتعددة، وهذا بكل صراحة ما لا ترتضيه كثير من العقول المصرية المتنفذة الكائنة أو التي يتم إعدادها والتي أكدت لنا تجارب ومواقف السنوات الماضية أن الخير للسودان لا يعنيهم بل يعيبهم وأن الافتقاد الدائم للسودان يغنيهم وهذا لعمري مفهوم صهيوني عالمي نسباً ونهجاً ويكفي فقط أن نشير إلى أن مجرد محاولة السودان الإقلاع بحضارته الفرعونية القديمة وكنوزها من المحلية إلى العالمية كشف المستور!
إن البينات والحقائق تقول إننا نعيش في زمان ليس هو الخطأ بل ما نفعله نحن في هذا الزمان هو الخطأ وبيناتي على ما ذهبت إليه كثيرة وهي قطعاً لا تحكي عجز الشعب والأمة ولا تقصيره، فكل مآسينا وتقصيرنا تجاه ما يجب أن نفعله لمقابلة أو مواجهة تجاوزات الأخوة في شمال الوادي بطوق (أي القصور) أعناق مسؤولينا منذ الاستقلال (ليس عليهم بالطبع) وحتى تاريخه حتى ما ولوا وجوههم، فثمة مسؤولية تاريخية وطنية تتطلب أو تطلبت في صيغها موقفاً معيناً ولكنهم!!! إنها نقطة عجزنا في الماضي وعلى الحاضر أن يتخلص عنها، فإذا لم تأتنا صحوة جادة ربما تصيب المستقبل!.
إن الأحداث التي وقعت وشاركت فيها مصر الدولة بكل أنواع الدعم بكل واجهاتها المتعددة الظاهرة والخفية أممياً أو إقليمياً أو حتى ثنائياً تؤكد حقيقة أن المسؤولين المصريين لم يعيشوا لحظة صدق واحدة مع السودان الدولة والشعب بغض النظر عن نوع وأسلوب ونظام الحكم السائد طيلة العقود الماضية، لقد كانت مصر ومصالحها كما اليوم أولاً وثانياً وأخيراً.
إن الفكر السياسي المصري المعاصر إضافة إلى ثبات المفهوم التربوي (وهذه حسنة لهم) إن مصر أم الدنيا وما يعنيه ذلك، فإن سهام الصهيونية العالمية قد انتاشته وأصابته ليس في مقتل فقط، بل سربت إليه مفاهيم جعلته مشلول التفكير محدود الحركة إلا فيما يخدم مصالحها (أي الصهيوينة)، ويرضى بالفتات على الموائد، لقد أصبح الفكر السياسي المصري عاجزاً عن إدراك ظروف وطبيعة الصراع الدائر في المنطقة العربية، لذا فهو يتخبط في ظلام اللحق بركب الهيمنة العالمية التي تقوده القوى العالمية المتحكمة والمسيطرة على طاولة الشطرنج، وفي سبيله تتخلى عن الموقع الريادي في السياسة العربية وتتمحور على الأصول والفروع في أمور الدين، أما أفريقيا فإن مصر تعد العدة ليس لنشر اللغة العربية، فذلك زمان قد ولى ولا لإنشاء منارات دينية، فهذه ترمز للإرهاب فعلاً ووضعاً وهو ما تحاربه مصر الدولة في الداخل وهي تضع في اعتبارها ونظرتها لنظام الحكم في السودان منشأة هذا الاعتقاد حتى لو وقعت دولة السودان الراية البيضاء، فهي في حالة عداء. إن الأحداث تؤكد أن العقل السياسي المصري، وبالتالي القرار لم ولن يتحرر من أثقال غيره، وما جرى أو يجري الآن حول السودان من تآمر شاهد على ذلك في الشرق ومؤشراته واضحة، أما الغرب فآثاره واضحة ونتائجه الاجتماعية والدينية والعسكرية لا تخطئها الأعين ولا يخلو السودان في شماله ووسطه بالطبع من أصابع وأوجه مختلفة لأصابع المخابرات المصرية وهي تعبث وتعمل بنظرية الأواني المستطرقة بحيث تتشكل خلاياها حسب المطلوب فعلاً ومنهجاً وميقاناً. لقد أسفرت مصر عن وجهها وجهتها خاصة في القطاعات المتوقع التهابها في النيل الأزرق جنوباً أو جنوب كردفان. إن مصر يؤرقها قيام سد النهضة ولا ولن يؤرقها أبداً قيام السد العالي الذي قامت عليه نهضتها العمرانية والزراعية والصناعية بعد أن طمرت مياهه أقدم الحضارات وتدمرت ترى ماذا تتوقع من دولة هذه أفكارها ونواياها!!
لمصر الدولة نقول لم تحبونا كما أحببناكم وفعلاً كما يقال من الحب ما قتل ولكننا نقول لم نمت ولن نموت وقفنا معكم وآزرناكم وعندما، ادلهمت عليكم الخطوب شددنا الأزرار حولنا. إن النيل الذي أرضعنا وسقانا سوياً إذا ارتأبنا أن في الفطام لنا من مائه العز والكرامة فسيكون الفطام لنا لزاماً. إن السودان بكل مقوماته وقومياته وأثنياتها وحكوماته المتعددة والمتنوعة المتعاقبة أو الكافئة وربما اللاحقة فكرياً وسياسياً يحفظ لمصر مكانتها الخاصة رغم اكتشافه خبايا النفوس المصرية الرسمية ركضنا خلف اللاءات الثلاث وقت الهزيمة الكبرى للعرب حتى تحقق بها الصمود العربي وتماسكت مصر، صدحنا بالحريات الأربع لما أقرتها دولة السودان فكان حصادنا من مصر أربع لاءات آخرها كان لا لرفع الحصار عن السودان!
كفى السودان جرياً وراء السراب المصري الرسمي وشعاراته الزائفة الماكرة، كفى السودان ما أضاعه من سنوات متطلعاً لوحدة كانت شعاراً على ورق أو تكامل قصد به إكمال حلقات التآمر وفرض أمر واقع أو دفاع مشترك كانت غايته موطئ قدم في زمان الغفلة والطيبة السياسية والعسكرية. لقد نضب منا وفينا الصبر إنه فعل أيدينا وعجز سياسيينا فقد تلوثت أثداوؤها وعوضاً عن الحب سقياً منها نفثت سمومها لتفتك وتقتل مقابل جيفة الصهيونية العالمية، ولكننا نقول هيهات! إن السودان باق كما هو بعزم بنيه رغم تآمركم دولياً وإقليمياً في الشرق والغرب. إن السودان هو المارد الذي تخشونه ويخشاه من يقف وراءكم. حسبنا الله ونعم الوكيل.

اليوم التالي

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين