اجلس في مكان هادي، اغمض عينيك وفكر وركز بعمق.. تخيل.. تذكر أنك سوداني، وأن غرة يناير من كل عام هي ذكرى الاستقلال.. تخيل أن هذا اليوم ينظر إليك.. مباشرة إلى عينيك ينظر الآباء الأوائل بعرق في جباههم تلك النظرة لمستقبل أمة نالت استقلالها توا.. تخيل واشعر بتلك الفكرة، وبالتالي ارسل رسالتك الذهنية إلى ذلك اليوم، وقل له هل فهمت رسالتي؟ وتخيل أنه سيقول لك نعم، وبالتالي تأكد أنك أصبحت وطنيا في يوم واحد.
أقول قولي هذا ليس اعتباطا ولا هزلا، وإنما هذا ما استنبطته من الشارع العام بالمشاهدة والملاحظة، وكل أدوات البحث التي تثبت التجربة. إن الجيل الحالي يعرف بأن غرة يناير هو ذلك الصباح اللاحق لليلة رأس السنة، وبالتالي هي براح للراحة والنوم بعد ليلة ساهرة. وحتي قنواتنا الإعلامية المقروءة والمسموعة والمشاهدة لا تحتفي بيوم كهذا كما ينبغي، ألا يعني الاستقلال السيادة، ألا يعني الإرادة. وإنما يأتي ذلك أن نقول بلا مواربة إنه نقص في الوطنية. والوطنية مفهوم أخلاقي، وأحد أوجه الإيثار لدفعها للمواطنين إلى التضحية براحتهم، وربما بحياتهم، من أجل بلادهم. وبشكل عام الوطنية مفهوم معقد وملغوم دون حل نظري شامل، برغم مركزيته في دراسة العلوم السياسية. ذلك أن الوطنية تحدد كثيرا من معايير النخب والجماهير، وتؤثر في تقييمهم وأحكامهم في ما يتعلق بالقضايا المختلفة. وبالتالي يمكن النظر إلى الوطنية باعتبارها خليطا من التعلق العاطفي بالبلد ورموزها التعريفية وقيمها التأسيسية. لكننا لم نحتف برموز الاستقلال إلا يوم ذكراه السنوية.. إذن ما هي الحلقة المفقودة في معنى الاستقلال؟ ولماذا لم يتسن لنا الاتفاق حول رواد الاستقلال؟ حريا بنا القول إن ذلك يرجع إلى أننا شعب لا يملك ثقافة الاتفاق على عدم الاختلاف.. لم يكن يوما التعدد النوعي للشعوب الإثني والثقافي واللغوي والعرقي..الخ، لم يكن طريقا مسدودا لمواصلة الحوار الداخلي لأمة ارتضت أن تكون واحدة منذ نيل استقلالها.
لكن بالنظر للواقع هذا المتعدد ولو افتراضا، بل قل إن السودان عباره عن شعوب، وإن كل شعب بما لديهم فرحون، فهل يمثل السلطان علي دينار شعب دارفور.. هل ما زال يتذكر أبناء سنار بادي أبو شلوخ والمك محمد ود عدلان وكل بريق السلطنة الزرقاء.. هل يوحد شعب النوبة آدم أم دبالو وقد خذلهم يوم آوى وبايع الإمام المهدي.. ألم يكن قبر الثائر عثمان دقنة صاحب الأفكار الجريئة في خطط الحرب؟ ألم يكن الآن قبرا للسياح في أركويت؟
عموما، نحن شعب واحد له تاريخ مشترك، وله يوم للاستقلال، ويوم أن حارب المهدي لم يحارب معه فقط أهل لبب، ولكن المناطقية موجوده في الثقافة، في اللغة، في العادات والتقاليد.. وعليه يكون ما يجمعنا ليست الهوية الثقافية ولا الهوية الدينية ولا الهوية اللغوية العرقية، وإنما الهوية الوطنية هكذا قول واحد. لأننا شعب لا تنطبق علينا تعريف الهوية التي وضعت بعد أن تحدد حدود لأمه وشعب معين، بعد استقراء واستنباط الباحث (الهويوي) المميزات المشتركة التي يمتلكها أفراد أمة ما، وبالتالي جعلتهم يحققون صفة التفرد عن غيرهم. ونحن لا يجمعنا إلا هذا الوطن من قديم الزمان من كوش الأولى مرورا بسلطنته الزرقاء وثورته المهدية وارتضى الاستقلال موحدا حرا ذا سيادة وإرادة.
المواطن العادي لا يهمه أي حزب وأي حكومة تحكمه، وإنما يرغب ويستمر دعمه للنظام الذي له السيادة وله الإرادة، النظام الذي يهمه أمن المواطن الشامل الذي يحفظ كرامته، ويحقق رغباته، ويحفظ ماله ووقته وجهده، ويحترم إنسانيته، ويمنع الاستهتار به وإذلاله على أبواب الدوائر الرسمية التي خلقت لخدمته لا خدمة منسوبيها. المواطن العادي يهمه كيف يتخلص النظام الذي ينظم معاملاته من آفات الإدارة من ترهل وفساد وبيروقراطية عطلته عن تنميته الفردية باستنزاف وقته وموارده. المواطن العادي يهمه أن تحكمه نخبة بما لديها من علم ومن حلول ووازع وطني، أما إن يأتي إلى الحكم بأي طريقة، فهذا يرجع إلى النخبة نفسها، هل هي ارتضت التداول السلمي للسلطة عن طريق السبل المعروفة في علم السياسة، أو اختارت أن تصادر حريتها وحرية الجماهير المسؤولة عنها سياسيا لتتبنى نظاما شموليا عن طريق الانقلاب العسكري الذي لا يرى غير نظام الحزب الواحد، وهو ما يمكن أن يعبر عنه بفشل النخبة.

الصادق يونس الطاهر

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين