عاشت الإمبراطورية العثمانية نحو 400 سنة قبل أن يعلن المؤرخون نهايتها وتدخل أرشيف التاريخ، أما الإمبراطورية السوفيتية فإنها لم تعش سوى 70 سنة فقط.

ولقد كتب الكثير من المحللين أسباب نهاية الإمبراطورية السوفيتية، ولكن أهم الأسباب هو تلك الخلية السرطانية التي بدأت في بولندا بقيادة ليخ فاونسا، والذي كان أول من دق مسمار في نعش أكبر الإمبراطوريات وأوسعها في القرن العشرين.

ولد ليخ فاونسا واسمه بالبولندية Lech Walesa في سبتمبر عام 1943، وكانت بلاده، بولندا، ما تزال خاضعة للاحتلال النازي الألماني.

وقد كانت بولندا أول شرارة في الحرب العالمية الثانية التي بدأها هتلر عام 1939 بغزو الأراضي البولندية بدعوى استعادة ميناء دانتزيج البولندي، وهو الميناء الذي غير البولنديون اسمه فيما بعد، وأصبح باسم «جدانسك»، وتشاء الظروف أن يكون هذا الميناء نفسه هو الذي شهد أول شرارة في الحرب ضد الشيوعية.

ولد فاونسا في عائلة كاثوليكية بالغة الفقر من الفلاحين، وفي سن عامين توفي أبوه الذي اعتقله الألمان وأودعوه أحد المعتقلات النازية ثم أفرجوا عنه. ولم يكن فاونسا متفوقـًا في دراسته، بل كان يتجرع الدروس كالدواء باستثناء مادة التاريخ التي كان يعتبرها مادته المفضلة.

ورغم زواج أمه من عم الأولاد، فإنها لعبت دورًا أساسيًا في حياة فاونسا، إذ زرعت فيه حب العمل واحترام الدين في بلد يحارب نظامه الشيوعي الأديان.

ومثل ملايين الفلاحين الذين اضطرتهم ظروف الاقتصاد إلى أن يهاجروا إلى المدن فقد هاجر فاونسا عام 1967 إلى ميناء دانتزيج الذي أصبح اسمه جدانسك، حيث عمل كهربائيًا في حوض بناء السفن.

كان فاونسا في ذلك الوقت نموذجًا للمواطن المتحمس للأفكار الاشتراكية، والمتطلع إلى بناء بولندا الجديدة. وفي عام 1970 بدأ التحول الحقيقي في حياته عندما قررت الحكومة بقيادة جومولكا رفع أسعار اللحوم ، التي تعد خبز البولنديين وطعامهم الأساسي. وكانت مفاجأة لجومولكا رئيس بولندا القوي أن يجد معارضًا لقراره في المكتب السياسي للحزب، وأن يجد أيضًا ثورة عارمة من الشعب الذي تعود الطاعة والامتثال لقرارته، وأصدر جومولكا قرارًا بمواجهة الثورة بالعنف وإطلاق النار، فقُتل عدد كبير من الضحايا، لكن الثورة على العكس زادت وانتهت بخلع جومولكا. وتولى جيريك الذي عارضه مكانه، وكان أول ما فعله أن ألغى الزيادات التي تقررت على الأسعار واستعاد الهدوء والسيطرة على البلاد.

ومن المظاهرات وحركة الاضطرابات التي شهدها فاونسا، أدرك أن هناك وسيلة أخرى ليقول الإنسان رأيه رغم أنه حاول أن يحث زملاءه على الالتزام بالنظام.

وبعد تولي جيريك اعتقد البولنديون بإمكانية إحداث تغييرات إلى الأفضل، لكن آمالهم ما لبثت أن أصيبت بالفشل، فقد عادت الصعوبات الاقتصادية تتزايد خلال السبعينيات إلى أن جاء عام 1980 والمصاعب أسوأ وأسوأ، واضطر الرئيس جيريك إلى أن يتخذ القرارات نفسها التي سبق أن عارض هو نفسه صدورها قبل 10 سنوات، ومنها قرار زيادة عدد من السلع وعلى رأسها اللحوم.

وتجمع على غير اتفاق عمال الوردية الصباحية، وراحوا يعبرون عن سخطهم واحتجاجاتهم على هذه الزيادة في الأسعار واختفاء اللحوم، وكان من الممكن أن تنتهي هذه التجمعات ويتفرق العمال، خاصة بعد أن شرح لهم مندوب من الحزب الشيوعي الظروف القاسية التي تعيشها البلاد، ولكن وقف الشاب ليخ فاونسا ذو الشارب الغليظ الذي يملأ وجهه، وما كاد يتحدث حتى أشعل النار التي انطفأت بين زملائه، وحولهم من شبه رماد إلى كتلة من الجمر الحارق.

وتتناقل وكالات الأنباء العالمية خبر هذا الشاب البولندي الذي حرك جموع العمال في جدانسك، وتمتد شرارة النيران إلى كل بولندا. ويتوقع الكثيرون أن تتدخل موسكو وترسل قواتها لوأد الحركة البولندية العمالية، كما فعلت من قبل مع المجر عام 1956، ولكن العالم يفاجأ بظهور هذا الشاب على شاشة التليفزيون وهو يوقع مع نائب رئيس وزراء بولندا في ذلك الوقت ما أطلق عليه «اتفاق جدانسك»، الذي كان أغرب ما فيه أن مادته الأولى تعطي العمال البولنديين الحق في إنشاء اتحادات مستقلة وتكوينها.

ومن المؤكد أن الحكومة البولندية لم تنظر بعين الجدية إلى هذا الاتفاق، الذي تصورت أن بمجرد توقيعه سوف تهدأ الثورة العمالية المستقلة، وبعد ذلك يمارس الحزب الشيوعي دوره، ويقبضون على المحرضين والزعامات ويقلمون أظافرهم، ويستعيد الحزب سيطرته على كل الأمور من جديد.

ولكن الذي حدث في بولندا كان مختلفـًا، فما كاد يعلن عن هذا الاتفاق حتى اتجه ملايين العمال إلى تكوين حركة جديدة اسمها «تضامن» تعبيرًا عن أنها تضم العمال مع المثقفين مع عدد من رجال الكنيسة الذين بدأوا يقوون مواقفهم بعد أن نُصِّب لأول مرة في تاريخ الفاتيكان بابا من بولندا.

وهكذا ما إن قامت حركة العمال التي أشعلها ليخ فاونسا ، حتى وجدت بولندا، ومعها الاتحاد السوفيتي وكل الدول الشيوعية، وجدوا أنفسهم في مأزق سقطوا فيه.

إن انفصال بولندا عن الحزب الشيوعي يعني أنها سوف تأتي بأفكار أخرى غير الأفكار الشيوعية، ويعني أكثر أن أفرادها يمكن أن يخوضوا الانتخابات وينتصروا على الشيوعيين، وأن تخرج بولندا بذلك عن المنظومة الشيوعية. وقد كان أسوأ ما فعله ليخ فاونسا في بولندا أنه كشف عن ضعف موسكو، وعجزها عن تحمل مزيد من أعباء الدول الشرقية، ذلك أنه كان على موسكو كي تتدخل في بولندا أن تحل مشاكلها الاقتصادية وتقدم لها المساعدة، ولكن المشكلة أن بولندا كانت قد اقترضت آلاف الملايين من الدولارات من الغرب، وكان أي تدخل سوفيتي سيجعل الغرب يطالب بديونه المستحقة، وهو ما لم تكن موسكو تستطيع سداده، بالإضافة إلى ضعف القيادة السوفيتية في ذلك -بريجنيف وبعده أندروبوف- وبالتالي كان من الضروري السكوت.

منح فاونسا جائزة نوبل للسلام في عام 1983، ومنحته جامعة هارفارد الأمريكية الدكتوراه الفخرية. وفي عام 1990 أصبح فاونسا أول رئيس لجمهورية بولندا بالانتخاب الحر.

على الرغم من فقدان شعبيته، ما يزال ليخ فاونسا يلقى التبجيل والاحترام لأنه الرجل الذي تخلص من الشيوعية وأدخل الديمقراطية في بولندا. وتشمل إنجازاته الأخرى خفض الديون الخارجية وانسحاب القوات السوفيتية من البلاد.

وقد حصل فاونسا على 30 جائزة حكومية و50 جائزة من 30 دولة، وهو مواطن فخري لأكثر من 30 مدينة في جميع أنحاء العالم بما في ذلك لندن.

وسوف يسجل لفاونسا أنه كان أول من دق مسمارًا في نعش أكبر إمبراطوريات القرن العشرين.

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين