سودافاكس – السودان :
هو حادث، يعد بكل مقاييس حوادث القطارات في السودان، الأشهر والأكثر قسوة، قياساً ببقية الحوادث التي بلغت (8) حوادث كبرى، وهو كذلك واحد من ضمن أربعين حادثاً للقطارات في العالم من حيث الخسائر البشرية والمادية، وظل هذا الحادث يستمد شهرته من الخطأ الفني الذي كان سبباً رئيسيا في وقوعه.
في ما يلي تقلب (الصحافة زمان)، دفاتر الوقائع عن ذلك الحادث المفجع.
رحلة الموت إلى (أوبو)
في فبراير من العام 1965م وتحديدا يوم 26 فبراير منه، تحرك قطار البضاعة رقم (57) من عطبرة متجها نحو بورتسودان، كان به عدد من عربات القطار محملة بالأمباز المعد للتصدير، اضافة لـ 26 عربة (ذرة) لاحد التجار لتسويقها ببورتسودان.
كان مجموع عربات القطار المحملة بالبضاعة 16 عربة، تفاصيلها كالآتي:
16 عربة حمولة 300 طن محملة بالذرة لغرض التسويق ببورتسودان.
7 عربات حمولة 210 طن محملة بالامباز بغرض التصدير.
كان بالقطار المتحرك من عطبرة عدد من عربات الركاب كما تجري العادة في الغالب، اضافة لعربة صالون لأحد المسؤولين.
تحرك القطار من محطة عطبرة الساعة السابعة مساء في زمنه المحدد. وكانت المحطات التي في طريقه: (زلط – الهودي – دجاجة) وغيرها.
في الساعة السابعة صباحاً، كان هناك احد القطارات المتجهة نحو الخرطوم عن طريق عطبرة تقف بالخط الرئيسي لسير القاطرات بمحطة (أوبو).
في الطريق لمحطة أوبو، منحدر شاهق، فيه يندفع القطار بسرعة نحو المحطة وهي خلوية لايتوقف فيها القطار كثيراً، بل لتغيير الخط الحديدي أو لاخذ التعليمات من ناظر محطتها.
كان حينها سائق القطار كعادة مهنته التي اكتسبها من قيادة القاطرات مطمئنا الى ان الخط مفتوح لسير القطار الذي يقوده، ولكنه انتبه فجأة بأن الخط مغلق بقاطرة اخري قادمة من بورتسودان، وهي القاطرة رقم (68) قطار بضاعة.
كيف وقع الحادث الأليم؟!
في عُرف وقانون السكة الحديد الخاص بسائقي القاطرات في خط عطبرة بورتسودان، أنه كثيراً ما يلتقي قطاران في محطة خلوية، ويكون التنبيه خارج المحطة، مع العلم بأن كل قطار يكون في مسار مختلف عن الآخر. لكن السؤال: كيف وقع الحادث؟!
حين رأى سائق قطار البضاعة رقم (57)، القطار الآخر المتوقف بالمحطة، حاول ايقاف القطار الذي يقوده عن طريق الفرامل، ولدهشته، كانت الفرامل لاتعمل وهو يهبط من المنحدر بسرعة عالية، استنجد السائق بصفارة الخطر الموجودة علي كابينة القيادة محاولاً تنبيه الكمساري الخاص بالفرملة وناظر المحطة.
لم يكن هناك وقت كاف للتصرف، فالمسافة كانت تضيق على سائق القطار المتحرك وهو مندفع بقاطرته نحو القطار المتوقف.
كان مشهداً لا يوصف، يحاكي أحد المشاهد التي يشاهدها الناس علي شاشات السينما وقتها، وهي تعادل الآن مشهداً درامياً علي شاشة قناة افلام الآكشن.
اصطدم القطار المندفع بالقطار المتوقف الذي يحمل الرقم (68) والذي كان رابضاً خارج المحطة متجها نحو عطبرة .
قفز سائق القطار والكمساري وبعض الركاب قبل وقوع الحادث. فكانت نجاتهم من الموت، فيما كانت أكبر الاصابات قد لحقت بأحد القافزين من الركاب الذي كسرت ساقه ورغم ذلك كان يجري في الصحراء بساق واحدة من دهشته وصدمته، فلحق به أحدهم ليسعفه ويفيقه من صدمته.
نجدة الدكتور إسماعيل نابري
توفي على الفور أثر الصدمة، خمسة عشر راكباً من ركاب عربات الدرجة الرابعة التي كانت تحمل مائة واثنين راكب.
أسرع الي مكان الحادث عدد من رجال الجيش والمواطنين الذين سارعوا بإخماد النيران التي اشتعلت في بعض عربات البترول (البنزين والكيروسين) التي كانت علي متن عربات القطار المتوقف.
لم يتمكن المواطنون ورجال الجيش الذين كانوا بالقرب من المحطة من انقاذ جميع المتأثرين بجراحهم، وان كانوا قد تمكنوا من اخماد جزء من النيران وانقاذ بعض الضحايا.
كانت مدينة بورتسودان اقرب المدن التي بها تجهيزات طبية من الممكن ان تكون ذات جدوي لانقاذ من يمكن انقاذه من ضحايا تلك المأساة، فتحرك السيد يحي زكريا قمندان مطافي بورتسودان وبصحبته فريق اطفاء علي متن قطار خاص، أوقف امتداد ألسنة اللهب نحو بقية العربات.
وتذكر الوقائع، أن الدكتور اسماعيل نابري كبير اطباء مديرية البحر الاحمر جاء بنفس القطار يحمل استعدادات طبية كاملة لاسعاف المصابين الذين وصل عددهم الي 75 شخصا.
الموت يحصد عرسان العسل
كان لبطء عمليات الانقاذ السبب الرئيسي في تراكم عشرات الاطنان من بذرة القطن والامباز علي ارضية العربات وهي سريعة الاشتعال. لم تتوقف المأساة عند هذا الحد، بل كان من بين الموتي عرسان في طريقهم لقضاء شهر العسل ببورتسودان وهم ستة، فكانت وفاة اربعة منهم، ليبلغ العدد الكلي للموتي واحدا وخمسين و75 مصاباً.
كانت ارادة الله هي الغالبة في عدم انفجار عربة بضاعة مشحونة بالذخيرة، لم تمتد اليها النيران، فلو امتدت اليها لكانت الكارثة اكبر.
من الشهود العم محمد عبد الرحمن فوزي (ابو هاشم)، الذي حكي هذه التفاصيل، ولم ينس أن يقول إن الحادث تسبب في تعطيل حركة القطارات بين عطبرة وبورتسودان، فلم تستأنف رحلاتها إلا في يوم 2 مارس 1965م.

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين