سودافاكس :
في اليوم التاسع من أغسطس من العام 1924م خرج طلاب المدرسة الحربية بالخرطوم التي كان مقرها غرب مسجد جامعة الخرطوم، بقيادة محمد فضل الله الشناوي، وكان عددهم (51) طالباً خرجوا في مظاهرة عسكرية سلمية يدعون فيها للإفراج عن زملائهم أعضاء جمعية اللواء الأبيض.
خط سير المظاهرة، خطط له أن يمر بالثكنات الحربية ثم السكة الحديد ومنها إلى منزل علي عبد اللطيف (شمال كلية الصحة جامعة الخرطوم) حيث أدى طلاب المدرسة الحربية التحية العسكرية لأسرة علي عبد اللطيف فزغردت لهم الحاجة فاطمة والدة العازة التي قادت المظاهرة مروراً بميدان عباس (القبة الخضراء) سابقا مول الواحة حاليا. ومنها لسجن كوبر ببحري.
(1)
قدر المؤرخ محمد عبد الرحيم المظاهرة بـ (20) ألفاً كانوا يهتفون: “يا أم ضفائر قودي الرسن/ واهتفي فليحيا الوطن/ أصلو موتاً فوق الرقاب/ كان رصاص أو كان بالحراب».
يقول حفيد البطل علي عبد اللطيف معاوية أحمد البدري: “جدتي كانت تقول (هم يهتفوا وانا امشي كيت.. واقدل كيت.. والله لامن نسيت روحي… انا مرا ولاّ راجل).!
طرقنا الباب ولم يَكَلُّ منّا الأصابع، فسرعان ما فتح لنا سيف الدين، حفيد البطل علي عبد اللطيف الباب.. رحّب بنا ثم سحبنا إلى صالون أنيق، احتله البطل بتاريخه ومتعلقاته.. داخل الصالون، رحّبت بنا السيدة درية محمد حسين، والدتها.. هي السيدة سجون علي عبد اللطيف، وللاسم حديث ذو شجون.
أم ضفائر أو بت الدنقلاوي هي العازة محمد عبد الله ود الدنقلاوي، والدها كان من الخندق يعمل في صناعة المراكب، وخلال فترة المهدية تزوج من فتاة جميلة أم درمانية النسب اسمها فاطمة محمد حسن والدها جندي مصري من قبيلة الجعافرة، بينما كانت أمها من أصل دينكاوي إلا أن أحد أقاربها كان مشهوراً وذا نفوذ (كراس مية) في جيش المهدي وشيخاً في الطريقة السمانية فترعرت فاطمة مع أسرته بحي الكارة بأم درمان ورزقت من زواجها بمحمد عبد الله ود الدنقلاوي وابنتها الوحيدة العازة.
وفي السنوات الأولى للحكم الثنائي انتقلت فاطمة إلى منطقة بري بالخرطوم لمنزل زوجة أخيها (بحر الواردي)، وهي من أصل دينكاوي وفي هذا المنزل التقى علي عبد اللطيف بالعازة زوجته فيما بعد.
(2)

رُزق علي عبد اللطيف من العازة ببنتين هما نعمات وستنا التي أطلق عليها (سجون) فتزوجت ستنا من محمد حسين ريحان ولها من الذرية درية التي نحن في ضيافتهم وحسين محمد حسين ريحان.
أما ابنته نعمات فلها من الأبناء أبوبكر وخديجة ومن أحفاده علي تيمناً بجده علي عبد اللطيف ويقيم الآن خارج السودان.
مثلما ظل عالقاً بجدار الذاكرة، ها هو البطل علي عبد اللطيف معلقاً في جدران بيت أحفاده بأم درمان. في بيت تفوح منه عطر البطولة تزينه صورة ضخمة للعازة مع سيفه وبندقيته التي صدّ بها كيد الأعادي، لا زالت تشرع فَمَ ماسورتها دهشة من فقد صاحبها. وربما لأن السيف أطول قامة من الساطور، وأقصر فتكاً، رضي بحظه أن يكون تحت البندقية، لأن الأخيرة صارت أصدق أنباء من السيف بمقبضه الجميل الذي طالما احتضنه البطل بكف رجولي حنون.
(3)
صورة البطل علي عبد اللطيف، وصفها حفيده أحمد البدري بأنها (رمز للوحدة الوطنية) ويقول معاوية أحمد، حفيد علي عبد اللطيف: (هذه الصورة أخذت لهم في )15 مايو 1924م في استديو آرام بالخرطوم بمناسبة إعلان الكفاح ضد الاستعمار بعد إرسال أول برقية احتجاج ممهورة بتوقيعاتهم جاء فيها:
«إننا نود أن نبعث احتجاجنا لكل من البرلمانيْن المصري والبريطاني أن شخصيتنا لا تسمح لنا أن نباع ونشتري كالبهائم التي لا رأي لها في مصيرها.. الخ…
(4)
عزيزي القارئ، عينك ما وقعت قريب في طالب حربي شايل شنطة ومنتظر ترحيل الكلية الحربية؟!
فهل تصدق أن أسرة علي عبد اللطيف لا تزال تحتفظ بشنطة الطالب الحربي علي عبد اللطيف.. التي تسلمتها من الكلية الحربية في العام 1907 مثله مثل طلاب العام 2016م ؟!
وداخل الشنطة تحتفظ أسرة البطل بكل الوثائق التي تخص جدّهم، منها تصريح وقّعه المستعمر يسمح فيه للحاجة عازة زوجة البطل بإمكانية دخولها السودان..
عازة التي كلّنا في هواها تدفع (50) مليماً رسوم دخولها السودان بعد زيارة لزوجها المعتقل في القاهرة.. فتأمل..!
في بيت أحمد البدري يرقد التاريخ الذي تحفظه أيادي أحفاده (درية ومعاوية وسيف الدين) فيما لا تزال كل مستندات جمعية اللواء الأبيض التي لم يعثر عليها الإنجليز محفوظة في هذا البيت الجميل حتى الآن.
ونحن نقلب وثائق البطل علي عبد اللطيف في نشوة وافتخار، أحضرت لنا الأستاذة درية محمد حسين كتاباً توثيقياً موسوماً بـ (علي عبد اللطيف وثورة 1924م) لباحثة يابانية تدعي الدكتورة (يوشيكوكوريتا). وقال معاوية يسمونها فاطمة السودانية بعد أن أعلنت إسلامها، والكتاب الذي يقع في 117 صفحة من الورق المتوسط أنيق في طباعته، بسيط في مفرداته، شامل لكل حقائق وأسرار ثورة (24) وقد عدَّه الدكتور محمد سعيد القدال الذي قدَّم له، السفر الوحيد الذي تعمق فيه الجهد الأكاديمي في تاريخ السودان الحديث.
(5)
سألنا أسرة علي عبد اللطيف عن شائعة الجنون التي أُحيكت لعلي عبد اللطيف وتقول إنه أصبح مختلاً عقلياً خلال سجنه في واو بمديرية بحر الغزال «التي نقل إليها في العام 1927م»، ولهذا السبب لا يمكن إطلاق سراحه حتى بعد نهاية المدة.
يقول الأستاذ سيف الدين حفيد البطل علي عبد اللطيف:
عندما اقتربت مدة سجنه على الانقضاء تم عرضه على طبيب اسمه (د. كرويكشانك)، كما ذكرت الباحثة اليابانية، ولكن النتيجة كانت مخيبة لآمال الإنجليز حيث قرر الطبيب أنه سليم العقل.
(6)
وحول ما يقال إن علي عبد اللطيف أصبح مختلاً عقلياً نتيجة لضربه (بجردل) فوق رأسه علي يد مسجون في نفس الزنزانة، وكان السجين الذي ضرب علي يدعي (عبد البخيت)، وهو ضابط شارك أيضاً في ثورة (24)، يقول سيف الدين: (يروي عن الدكتور محمد آدم أدهم أن البخيت وصف ما حدث بأنه مجرد حادث عابر، فعندما كان يحلق ذقنه في زنزانته رأي علي عبد اللطيف في المرآة يسير نحوه من الخلف فأحس بخطر داهم، فاختطف الجردل وضربه به».
إلا أن المؤرخ المصري محمد أنيس يقول إن البخيت استأجرته حكومة السودان لاغتيال علي عبد اللطيف أو دفعه إلى الجنون.
ما يؤكد صحة عقل علي عبد اللطيف ما حدث في العام 1937م حيث تمت خطبة ابنته (سجون) أو (ستنا) إلى نجل ابن خاله محمد حسين ريحان، وفي هذه المناسبة ذهب محمد حسين إلى السجن لمقابلة علي عبد اللطيف وأخذ موافقته، عندما قابله وجده عادياً ووافق على الفور.
(7)
نقل علي عبد اللطيف من السودان إلى مصر في مايو 1938 ولأن السلطات البريطانية كانت حريصة على ألا يصاحب ترحيله مظاهرات عامة في مصر أو في السودان، لذا نقلته سراً دون علم أسرته ولم ينطلق قطاره من الخرطوم أو بحري بل انطلق من منطقة الكدرو خارج المدينة.
وقد كتب الحاكم العام حينها: علي عبد اللطيف يعاني من جنون العظمة وانفصام الشخصية وستؤخذ الإجراءات الضرورية للإشراف عليه خلال الرحلة.
وحين وصل مصر سراً وأنزل من القطار في محطة الجيزة للحيلولة دون حدوث مظاهرات شعبية.
بعد وصوله إلى القاهرة وضع أولاً في المستشفى العسكري ثم رحّلوه إلى مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية، والمشرفون عليه من المصريين، وكان الأمير عمر طوسون يرسل له الكتب والمجلات.
في أغسطس (1938م) زارته زوجته العازة بصحبة محمد حسين ريحان، والد حفيدته درية – درية قالت لنا: “في القاهرة قدمت العازة طلباً إلى وزير الحربية المصري تطلب فيه السماح لزوجها بمغادرة المستشفى ليعيش مستقلاً بنفسه”. وقالت العازة في صورة من الخطاب الذي قدمته:
«لم نر من (علي أفندي) أي مرض كما يقولون سوي اعتقاده أنه لا يزال سجيناً».
لكن رد الحكومة المصرية كان:
«إن إطلاق علي عبد اللطيف مستحيل لأن حالته الصحية لا تسمح بذلك».
(8)
لفت نظر العازة في زيارتها لعلي عبد اللطيف في مستشفى الأمراض العقلية بمصر أنه كان يتحدث مع بعض زواره من الضباط السودانيين الذين يعيشون في مصر في منفى اختياري، بيقين كامل يصل حد التنبؤ (قناة السويس دي بعدين راح تبقي ميدان حرب)، وعندما أصبحت المنطقة ميدان حرب بعد سنوات عديدة شعرت العازة أن نبوءته تحققت، وقد مكث البطل ما تبقى من حياته في ما وصفه بسجن المستشفى حتى توفي في (29 أكتوبر 1948م).
الصحافة



مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين