لما عاد معالي رئيس الجمهورية مسرعاً من الجزيرة، بعد انتهاء رحلة الاحتفالات السياسية والكرنفالات الولائية الأخيرة.. لما عاد معاليه مسرعاً لتدارك أمر الاقتصاد والدولار عبر اجتماع رئاسي التأم في القصر الجمهوري…
تداعت لي يومها قصة غلام بسطام.. على أن السياسيين دائماً يأخذوننا إلى الجهة الخطأ.. قيل إن غلاماً خرج من مدينة بسطام على عصر العالم البسطامي الشهير.. ولما طرق أبواب مدينة بعيدة سأله خازنها.. من أي جهة قدمت يا غلام؟ قال: من بسطام. قال له: ما الذي أخرجك من بسطام؟ قال: خرجت لطلب العلم يا مولاي.. قال: إن الذي خرجت لأجله قد تركته وراءك ببسطام !!
بمعنى أن المكان الطبيعي لقهر طغيان الدولار الأمريكي.. مقابل تراجع الجنيه السوداني.. هو الجزيرة حيث يرقد (مشروع العمر).. ممدداً على الأرض البور البلقع… “متوسد تقيلته إن شاء الله ثابت أجره”..
بحيث كان الرأي عندي.. ولازلت.. بأن أفضل مكان لتدارك أمر الاقتصاد هو مارنجان وعبر اجتماع على قارعة الحواشات يضم كلاً من اتحاد المزارعين وإدارة المشروع ووزراء الزراعة الولائية منها والاتحادية.. فضلاً عن وزارة الري والمالية والبنك المركزي والبنك الزراعي والبحوث الزراعية…. الاجتماع بطبيعة الأهمية تحت إرادة وإدارة معالي رئيس الجمهورية.. هذه هي الخطة الوحيدة الناجعة التي يمكن أن تنتشل اقتصادنا من وهدته السحيقة.
غير أن رحلاتنا الرئاسية للولايات المنتجة تكون دائماً لأغراض التسوق والسياحة.. ومن ثم نعود إلى الخرطوم مسرعين في كل مرة لتدارك أمر الدولار والأسعار..
فزيارة الجزيرة كانت لغرض دعم الوالي محمد طاهر أيلا في مواجهة منهاضيه السياسيين.. وزيارة الولاية الشمالية التي تزامنت مع العروة الشتوية.. كانت لحجارة البركل وليس لمتابعة زراعة ونمو القمح.. المحصول الاستراتيجي الذي يكلف خزنتنا ملياري دولار سنوياً…
ذات العقلية التي ساقت مفجر النهضة الاقتصادية التركية إلى حجارة سواكن.. وليس إلى مشروع الجزيرة.. آه لو كانت الزيارة على متن تاكس جوي والطيران فوق مليوني فدان زراعي في مشروع الجزيرة.. ومن ثم كان سيتبنى الرجل الذي تبني إعمار سواكن.. كان سيتبني إعمار مشروع الجزيرة.. يمكن أن تكون وفق خطة شراكة تحفظ للمزارع صاحب الأرض حقه.. وتثبت للحكومة والشعب والسيادة حظوظهم.. فضلاً على منفعة الشريك المستثمر.
ألم يأن للذين يتمسكون بكتاب السياسة والسياحة والحكم.. أن يتشعروا في كل سكناتهم وحركاتهم وفرصهم الاستثمارية.. أهمية وأحقية وأولوية النهضة الزراعية.. حتى إذا ما صحت الزراعة تنجح وتصح السياحة والتجارة.. ولا بأس بعد أن نشبع من الفتريتة والكسرة والعصيدة أن (نخلف إرجلنا وندوبي):
احنا أولاد بلد نقعد نقوم على كيفنا
فيفترض وطوفان الدولار والأسعار هذا.. ألا يطيب لنا غناء ولا تروق لنا سياحة ولا نستمتع بموسم تسوق.. إلا بعد أن نردم الهوة السحيقة بين ما نصدر ونورد.. ولعمري هذه مهمة ليست مستحيلة إذا ما تحولت عقليتنا السياسية إلى عقلية تنموية إنتاجية.. وليس هذا كل ما هناك.

“أبشر الماحي الصائم”
المصدر : صحيفة اليوم التالي

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين