WhatsAppTwitterGoogle+Share
ثقافة المرأة السودانية لمن يتأملها، تبدو شديدة العمق والثراء، كما أنها تتميز بالاستقلالية الحاسمة عن ثقافة الرجل. فلقد بلورت «الكنداكة» – كما تلقّب حواء في بلاد النيلين نسبة لملكات حضارة مروي القديمة – منظومة من الموروثات والقيم الثقافية بما في ذلك القاموس اللغوي الذي يخصها دون مجتمع الرجل، الأمر الذي أذكى خصوصيتها الممتدة لتشمل الغناء المستقل «غناء البنات» والرقص الأنثوي «الفدعة والرقبة»، فضلاً عن عطورها المحلية كالخومرة والدخان والدِلْكة ودهن الكركار، وغير ذلك مما لا يجوز للرجال التعاطي معه إلا حينما يتعاطون مع النساء أنفسهن.

ثقافة كاملة محظورة على الذكور، بما يفرز ظاهرة ربما كانت منقطعة النظير في المجتمعات الأخرى «التمايز اللغوي داخل المجتمع ذاته».

تمايز

في إطار القاموس، فإنه إذا قال الرجل السوداني «سَجَمي» أو قال «ووب علَيّْ» أو «ود أمي»، فواحدة من اثنتين، إما أنه يبالغ في المزاح والتهكّم، بما يثير استهجان الآخرين وامتعاضهم، أو أنه مختل الجينات ويتمتع بهرمونات أنثوية زائدة فاضت على لسانه، وكشفت عن حقيقته المزدوجة.

في المقابل، فإن للمرأة الحق في استخدام التعابير اللغوية التي درج على توظيفها الرجال في تواصلهم الاجتماعي، ولا أحد يعيب عليها شيئاً من ذلك، ولكنها بجانب هذا خصّت نفسها بقاموس لا يقربه الذكور، بل توبخ الأم ولدها إذا وقع في المحظور، ولذلك تجدهم يستحيون إذا أفلتت من لسان أحدهم كلمة منه مثل «أحّيْ» عن طريق الخطأ، فلربما أدى الأمر إلى إساءة الظن به على نطاق واسع.

شرح

«سَجَمي» تعني: وا مصيبتاه، وقد يتم تنويعها بالقول «سَجَم خَشْمي أو سجم أمي، وأيضاً «ووب عليّْ» تعني الشيء نفسه، بل من مترادفاتها كذلك تعبير «كُرْ علَيْ»، وهكذا فإن قاموس الكنداكة يبدو زاخراً جداً بسيل من المفردات المحتجبة عن الرجال أو بالأحرى المحرمة عليهم عرفاً، منها «أَجِي!» وهي كلمة تقال للتعجب من الشيء، وأما تعبيرات التألم والتأوه فتشمل مما تشمل «واي» وكذلك «أحَّيْ»، وأما «بري بري، أو أبرأ يا يابا»، فهي تعني أتبرأ من هذا.

المرأة السودانية وحدها إذا شاءت أن تطلب شهادة الآخرين حول أمر أشكل عليها أو استعجبته، فإنها بدلاً عن أن تقول: هل هذا معقول يا ناس؟ فإنها تعبر بطريقتها التقليدية التي ورثتها عن «حبوباتها» فتقول: «عاد دا كلام يا بنات أمي؟!».

وإذا أرادت أن تؤكد عدم سماعها بالخبر فإنها تقول: «يطْرِشني»، أو «يبقى لي بالعمى» إذا قطعت جازمة بأنها لم ترَ ذلك الأمر البتة، أو تقول: «يبقى لي بالسِم»، لتؤكد أنها لم تطعم من الطعام شيئاً قط. ولكنها إذا أرادت أن تغلظ اليمين فإنها تقسم بنور عينيها فتقول: «وحات نظري».

الحبوبة

وعلى ذكر «الحبوبة» التي هي الجدة لجهة الأم أو الأب، فإن لها قاموسها الخاص هي الأخرى في إطار قاموس المرأة العام، ومن مفردات الحبوبة: «جنا حشاي» ويا «صباح خيري» وتقصد بذلك يا ابني، وأما قولها: «يا عشاي» فتعني ذخري ومدّخري وزادي إذا احتجت، و«يا بلّالي» تقولها الحبوبة تمليحاً للابن، حيث تبلل به يباسها وجفاف ماعونها من الماء والطعام.

ما سبق لابد أنه مبحث واسع المجال اخترنا منه شذرات، ولكنه في الحقيقة شديد الغنى متعدد الأبعاد إذا ما وضع في إطار دراسة أنثروبولوجية ممنهجة تستقصي معرفة مصادر هذه الخصوصية ومغزاها وآثارها الاجتماعية.

صحيفة البيان

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين