سودافاكس :
باءت المحاولات التي بذلها وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، محمد عثمان الركابي، صباح أمس (الأحد) لتجميل الموازنة، بالفشل الذريع، فالوزير الذي ظل يتلو خطاب الموازنة على مدى أكثر من ساعتين ساعيا فيهما لتخفيف الأثر النفسي الواقع على النواب بعرض إنجازات الوزارة وتحقيقها لمعدلات نمو موجبة في ظل أوضاع اقتصادية عالمية سيئة، لم تجنِ شيئا، فقد علت الهمهمات في أكثر من فقرة خاصة تلك التي أعلن فيها عن تحريك سعر الدولار الجمركي، وبما أن خبر الدولار الجمركي قد تسرب قبل إيداع الموازنة، لم يستطع الوزير جني التعاطف على موازنته التي يقدر عجزها بـ(2.4 %) من الناتج المحلي الإجمالي.
بعد إكماله لتلاوة الخطاب جلس وزير المالية على الكرسي المخصص للمخاطبة في البرلمان، في محاولة لالتقاط أنفاسه، غير أن ذلك لم يعفِه من حوار بدأ ساخنا مع النائب الأول الذي تحدث معه بعد الخطاب لما يقارب من الخمس دقائق، بعدها جلس الركابي في كرسيه مجاورا لمحافظ البنك المركزي وتبادلا حديثا باسما.
رغم إصراره على تكرار مفردة البشريات إلا أن موازنة العام المقبل قد خلت تماما من أي بشرى سارة، رغم محاولة المالية اليائسة في إظهار الحرص على تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال معدلات نمو موجبة وإنشاء شراكات ذكية مع القطاع الخاص وخفض معدلات التضخم وخفض عجز الموازنة وزيادة عدد الأسر المستفيدة من الدعم الاجتماعي إلى (800) ألف بدلاً من (700) ألف.
غير أن الوزير بدا أكثر واقعية وهو يقر بأن هنالك تحديات تجابه الموازنة، تتمثل في عدم استقرار سعر الصرف والتوسع في دعم السلع الاستهلاكية واستمرار مشكلة الحصول على تمويلات ميسرة في ظل وجود اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب واستمرار ظاهرة تهريب السلع الأساسية، لا سيما الذهب والصمغ العربي والمتغيرات الاقتصادية السياسية العالمية التي تؤثر على تدفق رؤوس الأموال.
وبلغة الأرقام قال وزير المالية، د.محمد عثمان الركابي، إن حجم مشروع الموازنة العامة للعام 2018م يقدر بنحو (173.1) مليار جنيه، يمثل حجم الموارد المستهدفة موزعة ما بين الإيرادات الضريبية والمنح والإيرادات الأخرى بـ(116.9) مليار جنيه بنسبة (68 %)، منها الإيرادات الضريبية بـ(75.1) مليار جنيه، أي ما يعادل (64 %) والإيرادات الأخرى بحوالى (33.7) مليار جنيه، والمنح نحو (8.1) مليار جنيه، مقدرا مبيعات الأصول غير المالية بـ(600) مليون جنيه بنسبة (0.3 %)، ومببعات الأصول المالية بحوالى (343) مليون جنيه بنسبة (0.2 %) من إجمالي الموارد، مضيفاً بتقدير القروض الخارجية والاستدانة من الجمهور والنظام المصرفي بـ(55.3) مليار جنيه بنسبة (32 %) من إجمالي الموارد، وفقاً لما ذكرته وكالة الأنباء السودانية (سونا).
وأشار إلى أن مشروع الموازنة يستهدف تحقيق معدل نمو (4 %) وتخفيض متوسط معدل التضخم من (34.1 %) إلى (19.5 %)، وخفض عرض النقود من (45.6 %) إلى (18.1 %)، مضيفا بتقدير عجز الموازنة بمبلغ (28.4) مليار جنيه بنسبة (2.4 %) من الناتج المحلي الإجمالي، لافتا إلى أن العجز يتضمن فروقات سعر الصرف التي تدون في دفاتر البنك المركزي، راجيا أن تكون الموازنة شفافة تبين لنواب الشعب والمجتمع كله حجم العجز الحقيقي.
وأكد أن المصروفات الجارية تقدر بـ(127.2) مليار جنيه بنسبة (68 %) من إجمالي الاستخدامات، مقدرا تعويضات العاملين بـ(34.2) مليار جنيه بنسبة (26.9 %) ومبلغ (17.1) مليار جنيه لشراء السلع والخدمات بنسبة (13.4 %) وتقدير تكلفة التمويل بـ(5.6) مليار جنيه بنسبة (4.4 %)، فيما قدرت الإعانات بنحو (25.5) مليار جنيه بنسبة (20 %) والمنح بـ(33.2) مليار جنيه بنسبة (26.1 %)، كما قدر للمنافع الاجتماعية مبلغ (102) مليار جنيه بنسبة (8 %)، وقدرت المصروفات الأخرى بنحو (1.5) مليار جنيه بنسبة (1.2 %) من إجمالي المصروفات.
وأكد وزير المالية الاهتمام بزيادة حجم تحويلات الولايات لترتفع من (21.8) مليار جنيه إلى (32.7) مليار جنيه بنسبة زيادة (50 %) عن العام 2017، مع الالتزام بتحويل نصيب الولايات من الدعم الجاري بنسبة (100 %)، مقدرا لاقتناء الأصول غير المالية (18.6) مليار جنيه بنسبة (11 %) من إجمالي الاستخدامات، مضيفا أن تقدير سداد الالتزامات الداخلية والخارجية بـ(25.5) مليار جنيه بنسبة (15 %) من إجمالي الاستخدامات.
وأشار الركابي إلى أن أهم موجهات السياسة المالية تمثلت في مراجعة الفئات الجمركية لتحييد أثر سعر الدولار الجمركي على أسعار السلع الضرورية ومدخلات الإنتاج المستوردة ومراجعة الإجراءات والضوابط، بهدف ترشيد الاستهلاك وتخفيض الرسوم الجمركية والضريبية على واردات مدخلات الإنتاج.
وبلغت تعويضات العاملين في موازنة العام المقبل (34.2) مليار جنيه بنسبة (27 %) من إجمالي المصروفات، وبارتفاع (10 %) من موازنة العام 2017، فيما بلغ شراء السلع والخدمات (17.1) مليار جنيه بنسبة (13 %) من المصروفات، بزيادة (15 %) من اعتمادات موازنة العام الجاري. وكشفت تقرير تفصيلي للموازنة عن أن الاتفاع يجيء لشراء السلع والخدمات والبرامج الضرورية للوزارات والوحدات الحكومية ومتطلبات الأجهزة الدفاعية والأمنية، وأعلن أن الانفاق على الدفاع والأمن القومي بلغ (23.888.313.495) جنيهاً، فيما بلغ الصرف على التعليم (5.326.786.734) جنيهاً، والصحة (2.942.525.026) جنيهاً. وأوضح التقرير أن تعويضات العاملين بالمجلس الوطني بلغت (91.048.252) جنيهاً، بينما بلغت تعويضات العاملين في وزارة شؤون رئاسة الجمهورية (132.839.909) جنيهات.
وحول أداء العام الجاري أكد الركابي أن الاقتصاد استطاع تحقيق معدلات نمو تقدر بـ(4.4 %)، وهو معدل اعتبره الركابي جيدا، لأنه جاء في ظل ظروف تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وأشار إلى أن معدلات التضخم ستصل بنهاية العام إلى (43.1 %)، مرجعاً الأسباب إلى الخلل بين العرض والطلب وانفلات سعر الصرف، علاوة على المضاربات في أسواق السلع والخدمات وارتفاع تكاليف التمويل لاستيراد السلع الأساسية، وهو الأمر الذي سيجعل الوزارة تتخذ عددا من السياسات والتدابير لمعالجة تدهور سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم.
وكشف عن انخفاض العجز التجاري من (4.2) مليار دولار إلى (2.2) مليار دولار، بمعدل (40 %)، فيما ارتفع عجز الميزان الكلي من (120.8) مليون دولار في العام 2016 إلى (349.7) مليون دولار في العام 2017، نتيجة لانخفاض صافي تدفقات الحساب الرأسمالي. وتوقع الركابي أن يصل معدل عرض الكتلة النقدية إلى (45.6 %) بنهاية العام الجاري، وأن يصل إجمالي الموارد إلى (92.4) مليار جنيه، متأثرة بحجم الإنفاق وزيادة الصرف على دعم السلع الاستراتيجية.
النواب الذين خرجوا من الجلسة بدا الاستياء بائنا على وجوههم، وطالب النائب المستقل مبارك النور بجلب بيت خبرة لإعداد الموازنة التي وصفها بالمحبطة، وقال لابد من تغيير الطاقم الاقتصادي وإقامة معاينات لهم قبل تعيينهم من قبل خبراء لإعداد موازنة تليق بالمواطن السوداني. واستنكر النور تصفيق النواب بعد انتهاء الوزير من تلاوة خطاب الموازنة قائلاً: “لست أفهم لماذا يصفقون”، وأضاف: “هل هنالك ما يستحق التصفيق في هذا المجلس؟”.

رنده عبدالله – نازك شمام
المصدر : صحيفة اليوم التالي

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين