قادة (الوطني).. تصريحات استفزازية أم شفافية؟

نافع يتحدى المعارضة بـ(لحس الكوع) و(ناموسة في أضان فيل)

علي محمود بشر السودانيين بالعودة إلى عهد الكِسرَة

هل عجلت (حقنة) كمال عبيد بانفصال الجنوب؟

ربيع عبد العاطي: لا نمارس سياسة المَن والأذى

علي السيد: (الوطني) يهرب من المسؤولية

الساعوري: يجب الابتعاد عن التعبير الحاد

صلاح الدين الدومة :الضغط والإنهاك يدفعان بعضهم إلى الخروج عن مألوف الحديث

إعداد: صديق رمضان

مجددا عاد قادة بالمؤتمر الوطني لإطلاق تصريحات يصفها البعض بالمستفزة التي لا تحترم المواطن، فيما ينظر إليها آخرون بأنها حقائق خلى الجهر بها من الدبلوماسية والكياسة، فخلال شهر رمضان المعظم خرج الدكتور نافع علي نافع الموسوم بالتصريحات المثيرة للجدل ليشير إلى أن البلاد قبل استيلاء الإسلاميين على السلطة كانت تنعدم فيها المياه والكهرباء، أما الأستاذ الجامعي الدكتور الحاج آدم فقد واصل تغريده الذي لا يتسق بحسب البعض مع ما يحمله من شهادات علمية، وذلك حينما أكد أن البلاد قبل العام 1989 كان مواطنها يشكو حتى من عدم توفير أعواد الثقاب.

جدل الصابونة

(استلمنا الحكومة والناس بتقسم الصابونة، والسكر بالوقية)، هذه الجملة جاءت بين ثنايا خطاب مساعد رئيس الجمهورية، نائب رئيس الحزب الحاكم، إبراهيم محمود حامد، في لقاء نوعي للمؤتمر الوطني بولاية الجزيرة، ما جهر به محمود يأتي امتدادا للكثير من التصريحات التي أطلقها قادة بحكومة الإسلاميين يرى البعض أنها تحمل في جوفها قدرا من المصداقية، وإن الواقع ما قبل استيلائهم على السلطة كان مترديا، وإن ثمة تطور ملحوظ قد حدث خلال فترة حكمهم للبلاد، فيما يقف على الضفة الأخرى من النهر أصحاب رأي مخالف ويعتقدون أن هذه التصريحات تنطوي على استفزاز وامتنان وإنها لتغبيش الوعي عن الواقع المتردي والهروب عن مواجهة المسؤولية، مؤكدين أن البلاد وفي عهد الإسلاميين تمضي نحو الاسوأ في كل شيء ولم تشهد التغيير الذي يتسق مع ما توفر للحكومة من موارد بترولية وغيرها، فيما يقف تيار آخر في المنتصف وينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة ويعتقد أن هذه التصريحات تعبر عن الضغوط النفسية التي يرزح تحت وطأتها قادة النظام جراء التقاطعات الداخلية والخارجية وحالة العزلة عطفا على تراجع الأوضاع بالبلاد نحو الاسوأ، وما بين كل الآراء تسأل “الصيحة” المختصين، هل هذه التصريحات واقعية أم استفزازية أم تعبير عن حالة نفسية أم منهج متأصل في نفوس الإسلاميين بالسودان؟.

مجرد أمثلة

من لدن عهد العميد بحري صلاح الدين محمد أحمد كرار الذي قال قولته الشهيرة عقب انقلاب الإنقاذ عندما صرح: لولا استلامنا الحكم لقفز سعر الدولار إلى عشرين جنيها، ووقتها كان الدولار يعادل اثني عشر جنيها، من ذلك العهد فإن قادة بحزب الإسلاميين اشتهروا بالتصريحات التي يعتبرها أنصارهم “نارية وتلجم الخونة والمارقين والعملاء حجارة من سجيل وتكشف زيفهم وادعاءاتهم” ـ كما يرددون ـ،فيما يقابلها آخرون باستياء كبير وغضب واضح ويؤكدون أنها لا تمت إلى الدين الإسلامي بصلة ولا علاقة لها بالقيم والتقاليد السودانية ولا بالتسامح الذي اشتهر به السودانيون، ولعل من أشهر التصريحات التي ما يزال صداها يتردد تلك التي كان يطلقها الدكتور نافع علي نافع قبل أن يغيب نجمه ويتوارى عن الأنظار “فلحس الكوع” و”ناموسة في أضان فيل” وغيرها من جمل تبدو مثل الماركة المسجلة باسمه، والدكتور الذي بات عضوا عاديا كان متخصصا في المعارضة إلا أنه جاء أخيرا وبحسب أنباء ليؤكد إبان أزمة مياه الشرب والكهرباء بالعاصمة بداية شهر رمضان أن البلاد لم يكن بها قبل مجيء الإسلاميين إلى السلطة مياه شرب وكهرباء.

الكِسْرَة والدواب

وغير بعيد عن الدكتور نافع فقد أطلق من قبل وزير المالية السابق علي محمود عبد الرسول، تصريحا اعتبره الكثيرون مستفزا ونظر إليه آخرون من زاوية أنه حديث واقعي، وذلك حينما أشار إلى أن العودة إلى أكل الكِسْرَة مصير ينتظر السودانيين، وأيضا عندما ذكر الناس بأنهم ما قبل عهد الإنقاذ أن السودانيين كانوا يسافرون بالدواب، أما كمال عبيد الذي اختفى أيضا عن المشهد السياسي، فلا يمكن أن يسقط اسمه عن ذاكرة المواطنين شمالا وجنوبا وذلك حينما قطع بعدم إعطاء الجنوبيين ولو “حقنة”، أما الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل الذي اشتهر باللباقة وانتقاء المفردات ذات الوقع الحسن، فقد نسب إليه قول بأن السودانيين “شحادين” غير أنه نفى هذا الحديث، وعلى طريق النفي وإخراج الحديث عن سياقه كما يردد السياسيون حينما تهب عليهم عواصف الاحتجاجات، فقد أكد وزير المالية الحالي أنه لم يتهم الشعب السوداني بالعطالة وعدم الإنتاج.

البناطلين والخمسين عاماً

ومن التصريحات التي لم يجف مداد الحبر الذي كتبت به تلك التي أكد خلالها القيادي بالمؤتمر الوطني حامد ممتاز أن حزبه سيحكم السودان خمسين عاما، وحتى الأكاديمي المرموق الدكتور الحاج آدم لم يخرج عن نص تصريحات قادة الحزب الحاكم، وذلك حينما أكد أن الواقع قبل الإنقاذ كان يؤكد امتلاك المواطن “لبنطلون أو بنطلونين” والآن “الدواليب مليانة هدوم” كما أشار، والأمثلة على تصريحات قادة نظام الإنقاذ تطول ولا يمكن حصرها في هذه المساحة، وما ذكرناه مجرد أمثلة فقط، بل حتى النائب الأول السابق علي عثمان محمد طه، سبق له أن أطلق جملته الشهيرة التي تدعو إلى قتل كل من يعمل على تهريب السلع إلى دولة الجنوب.

منهج علمي

الأسئلة التي طرحناها في مقدمة تحقيقنا هذا وضعناها منضدة الخبير الإعلامي والقيادي البارز بالمؤتمر الوطني الدكتور ربيع عبد العاطي الذي أيضا نالته سهام النقد حينما أوضح في برنامج بقناة الجزيرة القطرية أن دخل الفرد في السودان يبلغ: (2800 دولار)، واعتبر الكثيرون وقتها أن تصريحه ذلك حمل في جوفه تناقضا وابتعد عن الواقع، يجيب الدكتور ربيع عبد العاطي على تساؤلاتنا مشيراً في حديث لـ(الصيحة) إلى أن علم المقارنات من المناهج العلمية المعروفة وهو ليس بدعة بل ممارسة بشرية متعارف عليها، ويكشف أن الهدف منها توضيح الفرق بين الأشياء والأزمان والعهود وغيرها، وينظر إلى تصريحات قادة حزبه التي توضح بأن البلاد ما قبل الإنقاذ كانت تعيش ترديا ومعاناة من زاوية أنها للتذكير الذي قال بأنه ينفع المؤمن، نافيا إطلاق الاتهامات جزافا والتأكيد على أن هذه الأحاديث تندرج تحت طائلة المن والأذى، وأضاف: مثل هذا الاعتقاد اعتبره مجرد حساسية سلبية، والمقارنات يجب ألا تنطلق من مواقف سياسية بل من حقائق مجردة، وحينما سألناه عن المعاناة التي يعيشها المواطنون حاليا والأزمات التي تمر بها البلاد وموقعها من إعراب مقارنات قادة الإنقاذ بين الماضي والحاضر، أشار الدكتور ربيع إلى أن الحكومات تختلف واردف: قد تأتي حكومة وتقود البلاد والناس إلى القاع، فيما تأتي أخرى وتسهم في حدوث تطور وتقدم، فالفشل كما النجاح درجات تتفاوت بين حكومة وأخرى، ويعتقد بأن إبراز الإنجازات والتباهي بها ممارسة موجودة بين الأحزاب في مختلف بلدان العالم عند الممارسات الديمقراطية وذلك في إطار التنافس والكسب، ويؤكد أنها ليست بدعة.

بداية النهاية

بالمقابل ينظر القيادي بالاتحادي الأصل الدكتور علي السيد إلى تصريحات قادة الإنقاذ من زاوية مختلفة، ويشير في حديث لـ(الصيحة) إلى أن النظام وعند انقلابه على الشرعية الديمقراطية بدأ خطابه بالوعود البراقة والأماني السندسية، وأكد تحويل حياة الشعب إلى الرفاهية والسعادة وتحويل أحلامه في التنمية والخدمات إلى واقع، ويقول السيد إن الوعود الكثيرة التي أطلقها النظام في بداياته حسم قضية الجنوب خلال أشهر بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية وتطبيق نظام الاقتصاد الإسلامي، ويلفت الدكتور علي السيد أنه وبعد انهيار مرحلة الوعود وعجز النظام الحاكم عن تفيذ ما وعد به المواطنين، انتقل بحسب السيد إلى المرحلة الثانية من خطابه والمتمثلة في التذكير بأهمية الصبر وتحمل الابتلاءات، وأوضح أنه وبعد أن أضحى هذا الخطاب بضاعة غير مرغوب فيها من قبل المواطنين الذين صبروا كثيرا دون حدوث انفراج كما وعد قادة الإنقاذ انتقلوا إلى مرحلة عقد المقارنات بين الماضي والحاضر بالإضافة إلى إطلاق بعض التصريحات الغريبة والمستفزة مثل وزير المالية بحق الشعب السوداني وليس حينما اتهمه بعدم الإنتاج والهدف منه التنصل عن مسؤولية التردي الذي حاق بالبلاد في ظل هذا النظام الذي يرفض الاعتراف بتحمله مسؤولية ما وصلت إليه البلاد، مؤكدا على أن الوصول إلى مرحلة المقارنات وإطلاق الاتهامات ناحية الشعب تعني بداية نهاية النظام.

واقع لا يمكن إنكاره

من ناحيته ينفي المحلل السياسي، البروفيسور حسن الساعوري، أن يكون الهدف من التصريحات التي يطلقها قادة المؤتمر الوطني ممارسة استفزاز على الشعب، ويقول لـ(الصيحة) إن التعبير المقصود قد يكون هو أن التطور الذي حدث في عهد الإنقاذ على كافة الأصعدة رغم حالة الغلاء والمعاناة الحالية لا يمكن إنكاره، ولفت إلى أن الهدف من التصريحات التي توضح إنجازات الإنقاذ ليس الامتنان بل توضيح الواقع الذي كانت عليه البلاد قبل 26 عاما، ويرى أن كل الأمر مرتبط بالحال الذي كان عليه السودان والذي وصل إليه حاليا، واردف: الذي لم يشهد عقد الثمانينيات لا يمكن أن يشعر بالطفرة التي حدثت بالبلاد والتطور الكبير الذي طرأ رغم المعاناة الحالية التي يتكبدها المواطنون، غير أن الساعوري رأى بأن المسؤول وحينما يريد عقد مقارنات بين الماضي والحاضر عليه أن يبتعد عن التعبير الحاد، ويعود ليؤكد أن الأوضاع بالبلاد حاليا ورغم المعاناة تبدو أفضل حالا عما كانت عليه، وإن المسؤولين بالحزب الحاكم حينما يصدحون بهذا القول فإن هدفهم ليس الامتنان والاستفزاز.

مصلحة وإنهاك

بالمقابل يعتقد أستاذ علم السياسية بجامعة النيلين، البروفيسور صلاح الدين الدومة، أن أسباب التصريحات التي يطلقها قادة المؤتمر الوطني، متعددة منها الضغط النفسي بالإضافة إلى الافتقار إلى الأسلوب المؤسسي والعلمي في إيصال المعلومة بشكل جيد إلى المتلقي، ويقول الدومة لـ(الصيحة) إن عددا من قادة نظام الإنقاذ يفتقدون لبعض صفات رجل الدولة، وإن التأهيل الأكاديمي لعدد منهم يؤكد بأنهم لم يكونوا من المتفوقين والمميزين فكريا وسياسيا، رغم وجود من هم بهذه الصفات في صفوف النظام، ويعتبر أن هذا السبب يؤثر في تفكير العقل الجمعي والخطاب العام للحزب، والذي اعتبره الدومة مجرد كيان يجمع بين أصحاب مصلحة ليس من بين أهدافهم خدمة الوطن والمواطن، ويرى أن بعض التصريحات المستفزة توضح هذه الحقيقة، إلا أن الدومة يعود ويشير إلى أن الضغط والإنهاك من الأسباب التي تدفع بعض قادة الإنقاذ إلى الخروج عن مألوف الحديث، واللجوء إلى الكلمات الحادة في إيصال فكرتهم والتعبير عنها.

إثبات ذات

سألنا أستاذة علم النفس بجامعة الخرطوم، الدكتورة عبير عبد الرحمن، عن رأيها في التصريحات التي يطلقها بعض قادة الإنقاذ والتي تتباين حولها الآراء، فقالت لـ(الصيحة) إن بعض التصريحات أحيانا تندرج تحت إطار إثبات الذات للتذكير بإنجازات وإيجابيات من أطلقها، وذلك لأنه بحسب الدكتورة عبير يريد أن يعيش في أجواء إيجابية تمنحه دفعة للاستمرار، وتسهم أيضا في أن يتملكه الشعور بالقوة أمام الآخرين، وترى أن في هذا الأمر تركيز على الذات وتمركز حول النفس دون التفكير في الآخرين الذين طالبت الدكتورة عبير أن يضع المسؤول نفسه في مكانهم وينظر إلى تصريحاته وكيف يكون وقعها عليهم، وكشفت عن أنه في العادة فإن من يقودوا حياة الآخرين يكون تركيزهم على الذات كبيرا، لافتة إلى أن أثر مثل هذه التصريحات ينظر إليها المتلقي من زاوية أنها ازدراء وأنانية وعدم شعور بالآخرين.



مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين