مثلث “حلايب وشلاتين” الواقع في جنوب مصر، بمثابة الظل الخفي الذي رافق مسيرة جزيرتي “صنافير وتيران” الجدلية في الشارع المصري، ظل أمره تحت الركام، حتى رفع عنه الغطاء.
“صنافير وتيران”..”حلايب وشلاتين”
مع زيارة سلمان بن عبدالعزيز ملك السعودية، إلى القاهرة في 7 أبريل الماضي، رافق الزيارة بعض الأخبار المنسوبة لمصادر والتي توضح أن اتفاقية ترسيم الحدود لن تجعل لمصر السيادة على جزيرتي “صنافير وتيران”، حتى جاء الخبر المبين، وعلم القاصي والداني بالأمر، لتخرج أول تظاهرة منددة بالأمر يوم 15 أبريل، وحتى ذلك الحين لم يكن ملف “حلايب وشلاتين” قد خرج من الظل بعد، ولكن كان الضوء قد بدأ يصل لمهجها، إذ بدأ المصريون يتداولون ذكرها على سبيل التعبير عن حالة “التفريط” في الجزيرتين والتي تعني المثل في القضايا الأخرى المتنازع عليها.

“السودان” تتصيد في الماء العَكِر
في 12 أبريل، قال وزير الخارجية السوداني إبراهيم الغندور، إن بلاده ستبدأ التفاوض حول مدينتي حلايب وشلاتين، مشيرًا إلى أن قضية حلايب وشلاتين لم تأخذ مسارا جديدا، مرجحاً أن تحل إما عن طريق التفاوض حولها مباشرة، أو اللجوء للتحكيم الدولي، حتى لا تكون شوكة في العلاقات المصرية السودانية.
بعدها بأيام عدة جاء رد القاهرة، على لسان أحمد أبو زيد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، بأن حلايب وشلاتين أراض مصرية وتخضع للسيادة المصرية، وليس لدى مصر تعليق إضافي على بيان الخارجية السودانية.

ومن جديد في 17 أبريل الماضي، تستكمل السودان رحلة النبش واستغلال الفرص السانحة، إذ قالت وزارة خارجيته، إن الخرطوم تتابع الاتفاق المصري السعودي، داعية القاهرة للتفاوض حول منطقتي “حلايب وشلاتين” أسوة بما تم مع الرياض، لتضغط على القاهرة في وقت كانت فيه حالة من الغضب الشعبي تعم الشارع ويجرى التجهيز لتظاهرة بعد ذلك بأسبوع.

ثم أصدر وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، خلال لقاء مع قيادات عمال السودان، تصريحا أن بلاده تعتبر العلاقات مع مصر خطا أحمر، وأن قضية حلايب لن تكون سببا لقطعها، مضيفًا أن السودان عرض خيارين منطقيين على الحكومة المصرية بشأن حلايب، وهما الجلوس للتفاوض أو اللجوء إلى التحكيم الدولي.

“الانتفاضة الثالثة” في السودان
في أوائل شهر أبريل انتفضت جامعة الخرطوم وبعض الجامعات الأخرى، في مظاهرات طلابية والتي يأمل منظميها والعديد من النشطاء أن ترتقي لتكون “انتفاضة ثالثة” كما يسمونها، وأن يحتضنها المواطن السوداني، وشرارتها كانت خروج شائعات مفادها أن “السودان بصدد بيع مبان جامعة الخرطوم الأثرية” وهو ما رفضه الطلاب.
وكان الإطار العام لعملية البيع، هو المحرك الأعمق للأمر، إذ أن الخرطوم تنتهج سياسية “الخصخصة” للعديد من المنشآت الحكومية، مثل الخطوط الجوية السودانية والتي تم خصخصتها في العام 2005، والمدابغ وغيرها، وهو ما كشف عنه وزير المالية السوداني بدر الدين محمود في العام 2014، أن الخصخصة شملت 130 شركة حكومية منذ بداية التجربة، منها 26 شركة تابعة للأمن والشرطة والجيش، وأكد في هذا الصدد المضان السودان ستمضى قدمًا في سياسة الخصخصة لجميع الوحدات بلا استثناء، حتى شركات الأمن والشرطة والجيش لن تفلت من الخصخصة.
إلى جانب ملف رفع الدعم عن المحروقات والذي تسببت في تظاهرات خرجت في سبتمبر من العام 2013 بسبب غلاء الأسعار وحالة الغضب التي يشعر بها المواطن السوداني و التي تمكنت القبضة الأمنية لنظام البشير من وأدها في مهدها، انتهاء بشائعة بيع جامعة الخرطوم، والتي كذّبتها الحكومة السودانية بعد ذلك، فيما اعتبرت المعارضة أنها مناورة من الحكومة السودانية لامتصاص الغضب الشعبي، وان الجامعة ستباع حتمًا ولكن في وقت آخر.
وتواجه الحكومة السودانية تهمة بيع “الدولة” حسب رؤية المعارضة، أو “الخصخصة” حسب النطق الحكومي، كما تواجه غضب شعبي كبير بسبب الحالة الاقتصادية السيئة وارتفاع سعر الدولار، وهو ما يعرف بخطة “تحرير الاقتصاد السوداني” والتي تسببت في وضع الحكومة في موقف حرج أمام المواطن السوداني.

مصر والسودان “سباق على التمسك بالأرض” إرضاءً للشعب
ومما سبق ، يبدو أن الحكومة السودانية عمدت للمطالبة بالتفاوض أو التحكيم على حلايب وشلاتين في تلك الفترة تحديدًا، وزادت كثافة المطالبات لسببين، اولهما لتوجه لمواطنيها رسالة مفادها اننا لا نفرط في اراضي السودان، والثانية استغلالا للظرف الذي تمر به مصر وقبولها نقل تبعية صنافير وتيران للسعودية ببساطة، و هو أمر يعزز موقفها في التفاوض.
إلى جانب أن السودان تعي جيدًا حاجة مصر لها في ملف “سد النهضة”، بصفتها أحد الأطراف الثلاث الرئيسية المعنية بالأمر.

“نتيجة عكسية” للمطالبات السودانية
ولكن وعلى العكس من ذلك، اخطأت الحكومة السودانية التقدير، إذ أن مصر في الفترة الحالية تحديدًا لن يقبل بأي شكل أو آخر أن يتم التفاوض أو التحكيم أو حتى الحديث عن ملف “حلايب وشلاتين” نظرًا لأن الحكومة تواحه نفس المزاعم والتهم بـ”التفريط في الأرض” والتي ستسعى لإثبات عكسها بكل ما أُوتيت من قوة، وبالفعل هو ما حدث، بتصريح المتحدث باسم وزارة الخارجية المشار إليه أعلاه بأن “حلايب وشلاتين مصرية وتخضع للسيادة المصرية” وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرد المصري (جاء على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية ولم يأت على لسان وزير الخارجية وهو ما يبين نية مصر التقليل من أهمية تصريحات وزير خارجية السودان)، بينما جاء الرد الثاني بشكل غير مباشر، وهو ما صرح به رئيس مجلس لنواب الدكتور علي عبد العال، من انه سيتم ضم حلايب وشلاتين إلى التقسيم الإداري لمحافظة أسوان، فيما لم يعلن عن موعد التقسيم، وهى خطوة توضح التأكيد على تصرف مصر في حلايب وشلاتين بشكل طبيعي كجزء من الأرض المصرية الخاضعة لسيادتها، كما يؤكد عدم نية مصر الخوض في هذا الأمر على الأقل في وقت قريب.

الدستور

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين