علي يس :
صحيفة الرأي العام .

عند الباب – و هو يودعني – ختم العم (ل) حديثاً كان قد بدأه داخل بيته المتواضع ، قال لي : ( خايف عليهم ، لأنهم ما عرفوا الجوع ، و الماعرف الجوع ما حيعرف الشبع أبداً ..) ، فظلت عبارته تلك تتردد في أذني ، ليس حتى نهاية ذلك اليوم ، و لكن حتى اليوم ، و قد مضى على سماعها أكثر من شهر..
و العم (ل) – سيدرك القارئ الكريم عدم ذكر اسمه كاملاً أثناء قراءته هذه الكلمة – شيخ تجاوز السبعين ، عرفته قبل بضع و ثلاثين سنة ، كنت أزور زميل دراستي و صديقي ، ابنه الأكبر (ك) في ذلك البيت المتواضع ، و لكن الغني بالقناعة و السخي “بالموجود” .. و كان العم (ل) حينها “عامل يومية” ، ما كان يترك زائره يغادر الدار قبل أن يشاركهم الطعام ، المكون من كسرة الذرة ، و إدام واحد من غالب طعام أهل البلد أيامذاك ، كان طعاماً متواضعاً جداً حتى بمقاييس ذلك الزمان ، و لكنه كان مشمولاً بـ”البركة” من كل صوب..
ثم ظلت علاقتي بصديقي (ك) معبراً لصداقة أعظم مع والده ، ثم والدته تلك الحكيمة النبيلة التي كانت تنشر ثوب أمومتها على كل أصدقاء ابنها .. و مع أنني لم أعد ألقى ابنهما إلا نادراً ، بعد أن حاصرته المسؤوليات الجسام ، لكنني لم أزل كلما واتتني سانحة أزور العجوزين الطيبين ، اللذين بقيا وحدهما في ذلك البيت المتواضع ، المبني بالطين ، بعد أن رفضا الرحيل مع ابنهما إلى أحد قصوره الثلاثة (بني “ك” ثلاثة قصور ، لزوجاته الثلاث، و تحت التشييد قصره الرابع ، ما يدل على أنه قد شرع في “تأليف” الزوجة الرابعة).. بل و رفضا إقتراحه بهدم البيت و إعادة بنائه بشكل يليق بوالدي “شخصية مهمة” مثله .. كان يبدو أن لهما رأياً ما ، في مصدر ثرائه السريع و الغامض ..
و كان (ك) قد بدأ يتولى بعض المهام “الجسام” ، مطالع عقد التسعين من القرن الماضي ، و تزامن مع ذلك ترقيه في سلم “الثراء” ، و مع أنه ظل باراً بوالديه إلى حدٍّ ما ، إلا أنني كثيراً ما ألمح في حديث والده عنه بعض الخوف و الأسى .
حين سألته في آخر زيارة لي ، عن أخبار (ك) ، قال لي ببعض الأسى :
أخوك ده أنا ما خايف عليهو من الدنيا ، خايف عليهو من الآخرة ، عِلاّ خايف على وليداتو من الدنيا..
استفسرته ببعض الحيرة عن مغزى كلماته تلك ، و لما كنت أرجح أن للرجل شكاً في مصدر أموال ابنه ، فقد حاولت ، من طرف خفي ، تطمين الرجل أنه ربما كان ثراء ابنه من مصدر حلال ، فقال :
المال الكتير إن بقى حلال برضو ، سؤال الآخرة فيهو تقيل ..
طيب ، دي الآخرة و عرفناها ، ما خايف عليهو من الدنيا ليه ؟؟
لأنو ضاق الجوع ..
كيف؟
ما إنت عارف يابني ، عارف إني كنت عامل يومية (بعد أن تجاوز الستين فتح العم “ل” بجانب من بيته كنتيناً متواضعاً ) ، و كنت مرات ما بلقى شغل ، و كنا مرات كتيرة “نبيت القوا” ، و صاحبك ده ضاق الجوع ، عشان كده لما شبع عرف قيمة الشبع و استمتع بيهو ..
و أولاده ؟
أولاده طبعاً ما عرفوا الجوع ، و الما عرف الجوع عمره ما حيعرف طعم الشبع ، و دي المشكلة الحتفسد ليهم دنياهم ..
العم (ل) يتحدث بفخر العارفين عن معرفته اللصيقة بالجوع ، التي تعني أيضاً معرفته الوثيقة بالشبع .. و قد لا يخطر بباله أبداً أنه يصوغ من ثنائية الجوع و الشبع فلسفة يحتاج إليها الساسة و التربويون ، بل و كل الناس .. فالتكامل بين الجوع و الشبع ، و ارتباط الحاجة إلى معرفة أي منهما بمعرفة الآخر ، تظل حكمة نحتاج إليها دائماً ، و يفتقر إليها قلائل من “الأبرياء” الذين لم يعرفوا الجوع ، فخسروا طعم الدنيا .
(تنويه مهم : الحرفان “ل” و “ك” ليسا هما الحرفان الأوّلان من اسمي المذكورين).

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين