لأن تطور المجتمعات وقيامها بين الأمم يأتي بداية من الاعتراف بأهمية العملية التعليمية، فهكذا الحال في اليابان التي اكتسبت احترامها ومكانتها بين شعوب العالم. فتطورها يأتي من اهتمامها الأول بالمنظومة التعليمية، والتي سنعرض هنا لمكوناتها كل على حدة، بداية من المعلم والأدوار المنوطة بالطلبة والمناهج التي يتم تدريسها وكذلك دور الدولة في العملية التعليمية وإلزامية التعليم حتى للمغتربين الأجانب، إضافة إلى عناصر تميز العملية التعليمية في اليابان عن غيرها من الدول.

أولا: المعلمون في اليابان:
1. النظام التعليمي المنظم في اليابان له تأثيراته على كافة مناحي العملية التعليمية ومن بينها تطوير واختيار المعلمين مثل التركيز على الكفاءات والتخصصات والخبرات بصورة دقيقة والتركيز على مدى التزام المعلم من ناحية الوقت (لا غياب ولا تأخير) ومدى الجدية في إتمام الأعمال.

2. المعلمون يتقاضون راتباً كبيراً بحيث لا يحتاجون إلى الانخراط في أي عمل آخر- نصف دوام.

3. المعلمون غير مسموح لهم العمل في مدرسة أخرى، وإعطاء الدروس الخصوصية (في اليابان لا توجد منظومة الدروس الخصوصية من الأساس).

4.المعلم الذي يعمل في المدارس الصباحية غير مسموح له العمل في المدارس المسائية أو العكس، والمعلم في المدارس المسائية له مواصفات خاصة تختلف عن المعلم في المدارس الصباحية (يوجد في اليابان بعض المدارس المسائية، فصول تقوية تعتمد على رغبة الطالب أو أهله في تطوير نفسه بصورة استثنائية زائدة على التعليم الأساسي الإجباري).

5. لكل مرحلة تعليمية ولكل صف دراسي هناك ما يسمى المعلم المسؤول، وهو الشخص الذي يبني علاقة وطيدة مع التلاميذ بصورة فردية وشخصية، وبالتالي هو الشخص الذي يتابع حضور وغياب كل طالب وكذلك التقدم الذي يحرزه أو التأخر إن حدث بالإضافة إلى متابعة المشاكل الشخصية أكان منبعها البيت أو دون ذلك، وهو الشخص المسؤول عن التواصل مع الأهل إن احتاج الأمر. هذه المسؤوليات تجعل من المعلم المسؤول بمثابة الأب الثاني أو الأم الثانية.

 

ثانيا: الطلبة اليابانيون:
1. الطلبة يعتبرون المدرسة المصدر الأساسي والأهم للمعلومات والمعرفة. ولأجل هذا يركز كل طالب على دروسه ويقوم بالواجبات المدرسية داخل المدرسة نفسها، ويعتبر هذا كافياً جداً للاستفادة من التعليم الأساسي المطلوب، أما لو كان لدى الطالب قدرات وهوايات إضافية فهذه يعتبر محلها المنزل.

2. من بين الأمور الواضحة هو “طاعة الطلبة” للنظم المدرسية مثل الحضور دونما تأخير ودونما غياب، والعمل الجماعي في كافة الأنشطة، الدراسة الجماعية وكذلك النقاشات في مجموعات وممارسة الرياضة الجماعية.

3. على كل طالب أن ينخرط في ناد رياضي أو ناديين لأن المدرسة بالنسبة للطالب لا تنحصر في الدروس العلمية فقط، ولكنها أيضاً لممارسة الرياضة والحياة الاجتماعية وغيرها، أي أن المدرسة بالنسبة للطالب هي بمثابة الأسرة الثانية.

 

ثالثا: المناهج التعليمية:
1- المواد التعليمية منظمة للغاية وتتبع نظاماً تدريجياً بحيث يسهل فهم المعلومات واستيعابها، الأمر الذي يجعلنا نتمنى أن يأتي اليوم الذي تترجم فيه هذه المناهج من اليابانية إلى اللغة العربية، وأن يتم الاستفادة منها كدليل استرشادي لتطوير المواد التعليمية في عالمنا العربي.

2- المواد التعليمية تركز على فكرة تعليم الطلبة كيفية التفكير وكيفية التعامل مع الأمور والمسائل بصورة فائقة الدقة، فالعامل الأساسي وراء نجاح اليابانيين هو “الدقة”، والدقة وإتقان العمل كما قال رسولنا الكريم صلي الله عليه وسلم “إن الله يحب إن عمل أحدكم عملا أن يتقنه”، هما ما ميّز اليابان عن باقي دول العالم.

مثال على هذا: “الأوريغامي” وهو فن طي الأوراق وإنتاج الأعمال الفنية من مجرد أوراق بسيطة، هو درس أساسي لكافة الطلبة اليابانيين، يبدأ تدريسه مع صفوف رياض الأطفال، والهدف من هذا هو تعليم الطلبة أهمية الدقة في العمل والصبر والإصرار، وتطبيق مبدأ “التجربة من خلال الصواب والخطأ” حتي ينجح الطالب ويصل لما يبغيه من نتيجة بعد العمل الشاق والدؤوب. الأوريغامي يعلم الطلبة أيضاً أن العمل الشاق والمثابرة هما شرطا النجاح، وهو أمر سوف يحملونه معهم خلال باقي مسيرتهم الحياتية.

3- ليس هناك اختبارات يمكن أن توصف بـ” المحورية” لترقية الطالب من صف إلى الصف الذي يليه، وهذا ينطبق على الصفوف من الأول إلى الصف التاسع، ولكن يتم الالتحاق بالمرحلة الثانوية بناء على عدد من المتطلبات التي تعلنها المدرسة وبناء على رغبة الطالب ورؤيته لمستقبله وعمله المستقبلي بمعنى أن الالتحاق بالمرحلة الثانوية يتم بناء على اختيار الطالب للمجال الذي يتناسب معه ويتناسب مع قدراته ورغباته.

في النهاية ليس هناك ضغوط على الطالب من أي نوع، وهذا يعني أن الطالب يعيش حياه تتسم بالحرية والانطلاق والثقة بالنفس والثقة بالقدرات الذاتية مهما كانت هذه القدرات عالية أو ضعيفة. فكل طالب عندما ينضج ويكبر سوف يعمل في المجال الذي يتناسب وقدراته بدون ألم وبدون معاناة، مما يبني لديه الرضا الذاتي ويترتب عليه القدرة على العيش بسلام نفسي.

 

رابعا: الدولة اليابانية ترعى التعليم
1. قامت الحكومة بإعداد نظم ولوائح يتم اتباعها من قبل كافة المدارس، سواء أكانت حكومية أم خاصة، فالمدارس الخاصة في اليابان عليها اتباع نفس القوانين المشددة من ضرورة خلق بيئة تتسم بالأنشطة، وفصول غير مكدسة، مع ضرورة تعدد المعامل والرحلات المدرسية، ففي كل عام هناك رحلة خارج اليابان أو داخلها.

2. توفر الدولة كافة الاحتياجات للمدارس مثل أن يكون لكل صف أدواته الموسيقية والأدوات الرياضية الخاصة به، وأجهزة الكمبيوتر.
يلاحظ أن المدارس لا توفر لكل طالب حاسبا آليا أو لوحياً (تابلت)، ولكنها ترغم الطلبة على مشاركة عدد من الحواسب الآلية بهدف تعليم الطلبة مبدأ المشاركة والاهتمام بالآخرين والتعاون المشترك، مما يساهم في الحد من ظاهرة الأنانية، وبالإضافة إلى ذلك هناك وجبة مغذية وصحية كل يوم للطلبة لضمان تنمية اللياقة البدنية والذهنية من ناحية، ورعاية الطلبة صحياً من ناحية أخرى.

3. تعتبر مرحلة التعليم الأساسي (من الأول إلى التاسع) في اليابان، مرحلة إلزامية تهتم بها الدولة أيما اهتمام.

 

الأسباب التي جعلت النظام التعليمي في اليابان متميزاً ومتفوقاً على غيره من النظم:
1. النظام الصارم والمطبق على كافة مناحي العملية التعليمية.
2- الاهتمام بالأمور التي تعلم الطلبة الدقة مثل “فن طي الأوراق – الأوريغامي” مما يساهم في بناء جيل يحافظ على وقته ودقيق في مواعيده ولديه القدرة على العمل الجماعي.

3- وضع كل طالب في المكانة التي تتناسب مع قدراته وتطلعاته مع المتابعة الحثيثة من قبل المعلم المسؤول والاستمرار على هذا التواصل الوطيد من الصف الأول إلى الصف التاسع (التعليم الإلزامي)، وتستمر مسؤولية المعلم المسؤول حتى المرحلة الثانوية وحتى مرحلة الجامعة مع اختلاف قليل في المهام والمسؤوليات.

4- بناء الثقة بالنفس والثقة بالقدرات الذاتية مما يعمل على بناء الرضا والسلام النفسي.
5- المواد التعليمية المناسبة والمحفزة والمبنية على أساس من التدرج الذي يتناسب وقدرات الطلبة في المراحل التعليمية المختلفة.

 

الأجانب في اليابان
في اليابان ليس هناك ما يمكن أن يطلق عليه “الطالب المغترب أو الأجنبي” كل طالب يعيش على أرض اليابان من الصف الأول إلى الصف التاسع، لا بد أن يدخل المدرسة ويتعلم، أي وليّ أمر لا يلتزم بإلزامية التعليم الأساسي تتم مساءلته من قبل السلطات اليابانية، لأنه مطالب باتباع القوانين واللوائح اليابانية.

وبالتالي يذهب الأبناء إلى المدارس الحكومية التي يحددها “مجلس المدينة” بناء على منطقة السكن، أما لو فضل الوالدان أن يضعوا ابنهم أو ابنتهم في مدرسة خاصة ففي هذه الحالة يتم تقديم طلب لمجلس المدينة الذي يشترط أن تكون المدرسة بالقرب من منطقة السكن. والمدرسة الخاصة لن تقبل بالتحاق أي طالب يقع سكنه في منطقة خارج إطار أو الحدود الجغرافية التي حددها مجلس المدينة من قبل.

في اليابان يلقى الطلبة الأجانب رعاية خاصة، لأنهم يدركون أن الأجنبي قد يحتاج لبعض الدعم لتعلم اللغة اليابانية، كما يراعون ديانة وثقافة هذا الطالب المستجد وتعتبر المدارس إضافة طالب أجنبي (غير ياباني) إلى قائمة الطلبة لديها أمراً جيداً وميزة كبيرة، لأن من خلاله سوف يتعرف باقي الطلبة اليابانيين على حضارات وثقافات أخرى، وبالتالي يتم الترحاب بالطلبة الأجانب بصورة كبيرة بين الطلبة اليابانيين في المدارس الخاصة والحكومية.

 

كيف يمكن أن تستفيد الدول العربية من التجربة اليابانية في التعليم؟
يمكن ذلك من خلال عدة نقاط:

1-النظام الياباني يمكن أن يتم تطبيقه في أي بلد وفي أي بيئة، لو وجدت الحكومة الجادة في تعليم مواطنيها التعليم الجيد.

2-الكتب اليابانية، من المفيد ترجمتها والاستعانة بها كمرجع لأي بلد يريد تطوير منظومته التعليمية.

3-يمكن للحكومات العربية أن ترسل معلميها إلى اليابان، والعمل على أن يمكثوا فيها سنة أو نحو ذلك، حتى يستفيدوا ويفهموا طبيعة المنظومة التعليمية اليابانية. أعني بذلك القيام بنوع من التبادل الثقافي بين اليابان والدول العربية.

 

المصدر:العربي الجديد.



مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات

اترك رد وناقش الاخرين