تشتعل منصات المعارضة، وأحياناً بعض المسؤولين الحكوميين، بشأن تفشي الفساد بأنواعه في أجهزة الحكومة السودانية، في وقت يعاني فيه البلد أزمة مالية، هي الأعنف منذ سنوات، بدأت منذ انفصل الجنوب الذي يعوم على 75% من إجمالي ثروات النفط في البلاد، في يوليو/تموز 2011.

ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة في مقابل تنامٍ ملحوظ للطبقة الرأسمالية، وفي ظل الخلافات التي ضربت الحزب الحاكم، بدأت قضايا الفساد تخرج إلى العلن شيئاً فشيئاً.

وعلى مدار العقدين الماضيين، ناهض النظام الحاكم في الخرطوم دعاوى الفساد بشدة، وحاول نفي ما يتصل بها من وقائع على الرغم من تقارير ديوان المراجعة العامة، التي يودعها البرلمان سنوياً، وتتحدث عن اعتداءات على المال العام واستغلال بعض المسؤولين نفوذهم، فيما يتصل بإرساء العطاءات والتسهيلات والتمويل من المصارف بأرباح لا تذكر وبأقساط تصل خمسة عشر عاماً من دون أن تتخذ ضدهم إجراءات قانونية، فضلاً عن قضايا تجنيب إيرادات خارج موازنة الدولة، والتي طاولت عدداً من مؤسسات الحكومة، بما فيها وزارتا الدفاع والداخلية.

ويقول مصدر حكومي لـ “العربي الجديد”: إن “الفساد في الحكومة مقنن ومحترف، لأنه لا يظهر في الحسابات وتتم معالجته بطرق ذكية، وما يظهر في تقارير المراجعة 1% فقط من الفساد الحقيقي” .

وكان مؤشر الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية، قد وضع السودان، أخيراً، ضمن أكثر عشر دول فساداً في العالم.

ينظر القضاء السوداني في قضية فساد شركة الأقطان التابعة للدولة، حيث يَتهِم المديرَ والموظفين فيها بالاختلاس والتلاعب في 55

وفي يونيو/حزيران الماضي، تعهد الرئيس السوداني، عمر البشير، عقب أدائه القسم رئيساً منتخباً للبلاد، بأن تشهد دورته الرئاسية الجديدة إعلاء قيم الشفافية والمحاسبة، فضلاً عن تبني إجراءات حاسمة ضد الفساد. وأعلن عن تشكيل مفوضية مكافحة الفساد بصلاحيات واسعة تتبع رئاسة الجمهورية مباشرة.

وبالفعل شكلت وزارة العدل، الأسبوع الجاري، لجنة لإعداد مشروع قانون مفوضية الفساد، وأكدت جدية الدولة في الخطوة.

لكن مراقبين يستبعدون، تماماً، جدية الحكومة في مكافحة الفساد على الرغم من الإجراءات التي تمت باعتبار أن الرئيس البشير نفسه سبق وشكّل في عام 2012 آلية مكافحة الفساد برئاسة، الطيب أبو قناية، قبل أن يعود ويحلها بعد أشهر فقط من تكوينها من دون أن تدفع بقضية فساد واحدة إلى الرأي العام على الرغم من إعلان رئيس الآلية اكتمال التحقيقات في خمس قضايا فساد، وضعها على منضدة الرئيس البشير، ووقتها كان الحديث عن الفساد قد أخذ حيزاً كبيراً.

ويقول المحلل الاقتصادي، كمال عبدالله، لـ”العربي الجديد”: الفساد الموجود، حالياً، هو عبارة عن منظومة متكاملة اقتصادية وسياسية واجتماعية، وليس فساد أفراد، مما ينتفي معه جدية الحكومة في محاربته باعتبارها راعيته، ولأنه يعبر عن الرأسمالية التي لا تنمو ولا تعيش في ظل القوانين والنظام، وإنما على العمولات والفساد وتحقيق الأرباح عبر الامتيازات والعطاءات.

اقرأ أيضاً: يد الفساد والاهمال تقطع الكهرباء عن 9 دول عربية

ويضيف، “لذا محاربة الفساد في ظل النظام الحالي يستحيل، وهو مجرد ذر الرماد في العيون لامتصاص غضب الشارع السوداني، مما يتم تداوله، يومياً، من قضايا فساد من دون أن تكون هناك إجراءات حقيقة، حتى التي تصل القضاء يتم تبرئتها تحت بند التحلل الخاص بإعادة الأموال المسروقة”.

ولا تقتصر شبهات الفساد على الموظفين الكبار في الدولة فقط، بل طالت وزراء في الحكومة بعضهم سابقين، ورجال أعمال انتموا إلى الحزب الحاكم لتسيير أعمالهم. وعادة ما يدير التنفيذيون مشاريعهم الاستثمارية عبر أبنائهم أو أشقائهم.

وواجهت الحكومة الصحف، خلال الفترة الماضية، بحسم واضح بعد إثارتها قضايا فساد مسؤولين في الدولة، وأغلقت صحيفة يومية لإثارتها قضية فساد وكيل وزارة العدل، عصام الدين عبدالقادر، الذي أقيل، السبت الماضي، من منصبة، حيث تناولت تقارير امتلاك الرجل قطعاً أرضية، تقدر قيمتها بنحو 30 مليون جنيه سوداني (5 ملايين دولار) عندما كان يتولى منصب مدير الأراضي، إلا أن الرجل سارع إلى نفي الواقعة ليقر من جديد امتلاكَه ستّ قطع أرضية، اشتراها من حر ماله دون استغلال نفوذه.

على مدار عقدين، ناهض النظام الحاكم في الخرطوم دعاوى الفساد بشدة، وحاول نفي ما يتصل بها من وقائع على الرغم من تقارير ديوان المراجعة العامة

والعام الماضي، تفجرت قضية موظفي مكتب حاكم ولاية الخرطوم السابق، عبدالرحمن الخضر، حيث نُشرت مستندات أكدت استغلالهما نفوذهما في بيع وشراء سيارات وقطع أراضٍ فاخرة بمليارات الجنيهات، إلا أن لجنة شكلتها وزارة العدل قضت بأن يتحلل الموظفون بإعادة 17 مليار جنيه (2.9 مليار دولار) من المال موضوع الاتهام، وأُطلق سراحهما، الأمر الذي أثار الرأي العام، ما أجبر الوزارة على فتح إجراءات جديدة في مواجهتهما وإعادتهما السجن قبل أن تتفاجأ الأوساط السودانية، أخيراً، بوفاة أحد المتهمين في حادث حركة وسط العاصمة الخرطوم، ليشكك بعضهم في أنها تمت بفعل فاعل باعتبار أن استمرار القضية من شأنه أن يقود مسؤولين كباراً إليها.

وينظر القضاء السوداني في قضية فساد شركة الأقطان التابعة للدولة، حيث يَتهِم المديرَ والموظفين فيها بالاختلاس والتلاعب في 55 مليون دولار، تورط في تسويتها رئيس المفوضية السابق، عبدالله أحمد عبدالله، الذي استقال بعد تسرب الخبر، ومع استمرار القضية التي حُظر النشر فيها، ظهرت أسماء بالتورط في القضية بينهم وزير المالية الحالي، بدرالدين محمود ومسؤولون آخرون.

وتمثل قضية الأراضي أكبر قضايا الفساد. والأسبوع الماضي، كشف حاكم الخرطوم الذي عُيّن حديثاً، عبدالرحيم محمد حسين، أنه فوجئ أن الحكومة التي سبقته باعت معظم المساحات والأراضي في العاصمة، فضلاً عن رهنها رجال أعمال ومصارف.

وقال المحلل الاقتصادي، عصام بوب، إن قيمة الأراضي المرهونة في الخرطوم لرجال أعمال ومصارف تقترب من 900 مليار جنيه سوداني، الأمر الذي عده جريمة، يعاقب عليها القانون بالإعدام باعتبارها تقود إلى تخريب اقتصاد البلاد.

الدولار الأميركي = 5.987 جنيهات سوداني

العربي الجديد

تعليق بواسطة فيسبوك

التعليقات


مواضيع يمكن ان تنال اعجابك



اترك رد وناقش الاخرين